[0:00]تخيل كده اننا عايشين في بيت عيلة كبير، بيت العيلة ده هو مصر، والبيت ده بيمر بازمة مالية عنيفة جدا.
[0:08]الديون اتراكمت عند البقال، وفاتورة الكهربا جاية بأرقام فلكية، والراجل صاحب البيت اللي هو الحكومة المدنية واقف في نص الصالة محتار، جيوبه فاضية تماما، وعمال يقلب في جيوب البناطيل القديمة اللي عنده يمكن يلاقي شوية فكة ناسيهم هنا ولا هنا، مفيش. وصل بيه الحال انه بدأ يبيع عفش البيت، باع الكنبة وباع الثلاجة وقرب يبيع سجادة الصالة عشان يسدد الأقساط اللي عليه وعشان يشتري أكل للعيال اللي هما الشعب. في نفس البيت ده، وفي نفس الصالة، في أوضة مقفولة بباب حديد. الأوضة دي قاعد فيها الأخ الكبير، اللي هو الجيش، والأخ ده مش بس مأمن نفسه، ده قاعد جوه الأوضة دي ومعاه خزانة حديد ضخمة متروسة دهب ورزم دولارات. الفلوس والدهب دول الأخ ده مطلعهم من نفس البيت ده، مشغل المحلات اللي تحت البيت لحسابه. وبياخد من نفس عداد الكهربا ومابيدفعش حاجة، ومشغل إخواته في المحلات دي عنده بالسخرة، يا بيرميلهم ملاليم يا مابيدفعلهمش حاجة أصلا. والمفارقة هنا مش إن الأخ الكبير غني والأب مفلس، لا المفارقة إن الأب بيخبط على باب الأوضة دي بيترجاه. بيقوله حبيبي البيت هيتخرب، الديانة واقفين على الباب، طب سلفنا أي حاجة نمشي بيها الدنيا. يرد من ورا الباب بكل برود يقوله آسف والله دي فلوسي شايلها لوقت زنقة، محدش ضامن الظروف. صرفوا أموركم انتوا، ما خلفتكمش ونسيتكم هنا. أهو المشهد السيريالي ده هو بالظبط وبالحرف ملخص الوضع في مصر حاليا، إزاي يعني؟ خلونا النهار ده نفتح الصندوق الأسود لواحد من أعقد الألغاز في الاقتصاد السياسي الحديث. النهار ده هنتكلم عن اللحظة اللي مصر فيها وقفت قصاد المراية واكتشفت انها مش دولة واحدة، دي دولتين في الباس. في ديسمبر 2025 يعني من شهر واحد بس حصل الزلزال، مصر تجاوزت الخط الأحمر واتخلفت عن سداد قسط قرض مستحق لصندوق النقد الدولي. عارف يعني إيه دولة تتخلف عن السداد، يعني إفلاس غير معلن، يعني الثقة الدولية فيك بقت صفر. يعني حنفيات القروض كلها اتقفلت، محدش هيرضى يسلفك وانت ماتقدرش تسدد. في الكواليس وبعيدا عن كاميرات التليفزيون اللي شغالة تطبيل وبتقول كله تمام وزي الفل، حصلت مكالمة تليفون عجيبة. رئيس الوزراء مصطفى ذامتبولي رفع سماعة التليفون واتصل بوزير الدفاع عبد المجيد صقر، مش عشان تنسيق أمني ولا عشان يهنيه برأس السنة. المكالمة دي كانت استغاثة من غريق، متبولي طلب قرض حسن او مساعدة عاجلة من احتياطيات الجيش السرية عشان يسدد القسط. بدل ما مصر تتفضح وتتجرص في الكوكب ويتقال انها فلست، فكان الرد إيه، لأه لأ وايه قطم كده من غير تفسير ولا تبرير ولا أي حاجة. وده ماكانش بسبب ان العين بصيرة مثلا والايد قصيرة، بالعكس، الرفض ده كان هو اللحظة اللي اتكشفت فيها الحقيقة اللي كل كان بيهمس بيها في الغرف المغلقة بقاله سنين. الحقيقة اللي بتقول ان الجيش المصري بيمتلك احتياطيات نقدية كاش سيولة نقدية في البنوك المصرية مش بره، بتفوق في حجمها إجمالي الديون الخارجية لمصر كلها، انت متخيل الرقم، احنا بنتكلم عن رقم بيعدي الـ 161 مليار دولار. الفلوس دي موجودة كاش مش أرقام افتراضية في أرصدة، لا سيولة نقدية جوه البنوك المصرية الوطنية. بس عليها ختم نسر بيخليها محرمة تماما على الحكومة المدنية ممنوع الاقتراب منها أو التصوير حتى لو الدولة نفسها بتعلن افلاسها. هنا بقى لازم نقف ونرجع خطوة لورا عشان نفهم احنا ازاي وصلنا للنقطة دي. ازاي بقى عندنا اقتصاديين ماشيين عكس بعض في نفس البلد، المتخصصين في الاقتصاد السياسي بيسموا الحالة دي بمصطلح معقد شوية اسمه ازدواجية الاقتصاد السياسي. بس سيبك من الكلكعة دي وخلينا نفصص الموضوع بشكل أبسط. أي دولة طبيعية في الدنيا عندها جيب واحد وهو الخزانة العامة، الضرايب بتدخل الجيب ده. ايرادات قناة السويس بتدخل الجيب ده، عوائد بيع البترول بتدخل الجيب ده، ومن نفس الجيب الحكومة بتصرف على التعليم والصحة والجيش والشرطة. ده الطبيعي ده السيستم اللي العالم كله شغال بيه. في مصر بقى الوضع مختلف تماما، احنا عندنا جيبين، الجيب الأولاني هو الخزانة العامة للدولة وده الجيب اللي فيه خرم واسع. الجيب ده هو اللي بيتحمل كل الأعباء، مرتبات الموظفين الغلابة، دعم رغيف العيش، سداد الديون، الصرف الصحي، المدارس اللي الفصول فيها العيال بيبظوا من شبابيكها من كتر الزحمة. الجيب ده دايما مديون، ودايما بيشحت، ودايما بيعاني من عجز مزمن. الجيب التاني بقى ده الجيب السري، جيب المؤسسة العسكرية وده مش مجرد حصالة بيحوشوا فيها الفكة، لا. ده اقتصاد موازي كامل بيشتغل بره ميزانية الدولة وبره رقابة البرلمان وبره رقابة الجهاز المركزي للمحاسبات. والجيب ده بتدخل فيه عوائد سيادية ضخمة جدا، لما الجيش يبيع أراضي صحراوية اللي هي أصلا ملك الدولة، الأرباح بتدخل الجيب ده. فالسؤال اللي يخليك تحول وتقول طب ليه، ليه الفلوس دي مابتخشش الموازنة العامة وتساعد في حل الأزمة؟ إجابة السؤال ده هي جوهر المشكلة اللي بنعيشها، لإن المؤسسة العسكرية ومن الستينات بتعتبر إن الاستقلال المادي هو الضمانة الوحيدة لبقائها وقوتها. المنطق بتاعهم بسيط جدا ومخيف جدا في نفس الوقت إن الحكومات المدنية بتيجي وتمشي. وزراء بييجوا ويتغيروا، سياسات بتفشل وتنجح، لكن الجيش هو الثابت الوحيد، فلو الجيش ربط ماليته بمالية الدولة والدولة فلست، الجيش كمان هيقع، ولو الجيش وقع البلد كلها هتقع. منطق شكله وجيه مش كده، يبدو وطني جدا، بس تعال نبص عليه من زاوية تانية، زاوية المواطن المطحون اللي بيدفع التمن المنطق ده. المنطق ده خلق كارثة اسمها توزيع الموارد المعكوس، يعني إيه؟ يعني تخيل ان عندك شركة والشركة دي فيها قسمين، قسم الانتاج وقسم الأمن، قسم الأمن قرر إنه يستولي على أهم المكن اللي في المصنع. ويشغله لحسابه ويبيع انتاجه ويحط الفلوس في جيبه الخاص وفي نفس الوقت يطلب من قسم الانتاج انه يدفعه مرتباته وياكله ويشربه وكمان يدفع فواتير الكهربا بتاعة المصنع كله. النتيجة الحتمية هي ان قسم الانتاج اللي هو الشعب والاقتصاد المدني هيفلس ويموت من الجوع وقسم الأمن المؤسسة العسكرية هيفضل يغتني ويزداد ثراءه. وفي الأخر الشركة كلها هتقفل لان مفيش انتاج وده مش كلام مجازي يعني دي حقايق وأرقام. لما السيسي طلع في 2016 وقال ان اقتصاد الجيش بيمثل واحد ونص في المية ولا اتنين في المية من الناتج المحلي الإجمالي. كان بيتكلم عن جزء صغير جدا من الصورة كان بيتكلم عن الشركات اللي متسجلة بشكل رسمي. لكن الحقيقة اننا مابنتكلمش عن مجرد شركات ده احنا عندنا جمهورية خاصة للضباط. جمهورية الضباط دي شبكة عنكبوتية من الضباط المتقاعدين اللي بيسيطروا على مفاصل الدولة المدنية. تروح مصلحة حكومية تلاقي رئيسها لواء سابق، تروح حي من الأحياء تلاقي رئيس الحي عميد متقاعد، تروح شركة قطاع عام تلاقي مجلس الإدارة كله رتب عسكرية. الشبكة دي مش بتمتلك الأصول بشكل قانوني لكنها بتمتلك القرار هي اللي بتاخد قرار مين ياخد المقاولة دي ومين يورد الأكل ده ومين ياخد الأرض دي. والنتيجة اقتصاد بيتحرك بالأوامر العسكرية مش بآليات السوق. عارف لما تيجي تلعب بنك الحظ بس في لاعب واحد معاه الحق انه يغير القواعد وهو بيلعب. يقولك انا مش هدفع ايجار عشان انا الجيش، ويقولك انت لازم تدفعلي ضريبة عشان عديت من الشارع ده. ويقولك انا هاخد الارض دي ببلاش عشان دي منطقة عسكرية، هل في حد يقدر يلعب مع اللاعب ده ويكسب أبدا، مستحيل. القطاع الخاص في مصر بقاله 10 سنين بيحاول يلعب مع اللاعب ده والنتيجة كانت خروجه من السوق محمولا على نقالة. طيب ليه دلوقتي بالذات؟ ليه يناير 2026 هو اللحظة اللي ظهرت فيها الحقيقة؟ لإننا وصلنا للحائط السد اللي لازم طريقة تلبيس الطواقي دي توصلها في يوم من الأيام. الحكومة كانت بتستلف من الخارج عشان تغطي العجز والجيش كان بيراكم الثروة في الداخل. دلوقتي الخارج قفل الحنفية، قالك مفيش قروض تانية من غير إصلاحات حقيقية والداخل اللي هو الجيش قالك مفيش مليم هيطلع من عندي. فبقينا في الوضع العبثي ده، دولة غنية جدا لو حسبنا ثروة الجيش، ودولة فقيرة جدا لو حسبنا ميزانية الحكومة. والاتنين هما نفس البلد، بس عشان نفهم إزاي الصندوق الأسود ده ظهر أصلا للوجود، وإزاي قدر يكبر ويتوحش لدرجة إنه يبلع 161 مليار دولار. محتاجين نركب آلة الزمن ونرجع لنقطة البداية، لا مش 2013 ولا حتى 2011. لازم نرجع لليوم اللي الضباط فيه قرروا يقلعوا البدلة الميري ويلبسوا بدل رجال الأعمال بس فضلوا محتفظين بالمسدس في جيب الجاكيتة. تاريخ المرحلة دي يبدأ بيوم 23 يوليو 52، الضباط الأحرار استلموا البلد والملك فاروق ركب المحروسة ومشي. وأول حاجة عملها الضباط دول ماكانتش بس تغيير نظام الحكم من ملكي لجمهوري، لا دول غيروا نظام الملكية نفسه. في سبتمبر سنة 52 صدر قانون الإصلاح الزراعي، القانون ده كان بمثابة فرمتة للهارد ديسك بتاع الاقتصاد المصري. الباشاوات والإقطاعيين اللي كانوا بيمتلكوا آلاف الأفدنة صحي الصبح لقوا ممتلكاتهم بتتسحب والأرض بتتوزع. الخطوة دي رغم إن شكلها كان لتحقيق العدالة الاجتماعية لكنها أسست لقاعدة خطيرة جدا فضلت مكملة معانا لحد النهار ده. إن القوة العسكرية هي اللي بتوزع الثروة وهي اللي بتحدد مين يملك ومين لأ. وهنا لازم نتكلم عن العراب الحقيقي للمنظومة دي مش عبد الناصر ولا السادات، العراب هو المشير عبد الحكيم عامر. عامر ماكانش مجرد وزير حربية أو قائد عام للقوات المسلحة، عامر كان بيتعامل مع الجيش على انه عزبته الخاصة. من أوائل الستينات عامر رسخ مبدأ ان الجيش هو الأكفأ وهو الأسرع وهو اللي يقدر ينجز. المنطق بتاعه كان بسيط، لو سيبنا الاقتصاد للموظفين بتوع الحكومة اللي هي البيروقراطية المدنية هيناموا في العسل. والورق هيضيع في الأدراج لكن لو ادينا الشغل للجيش الأمر العسكري بيمشي زي السيف. منطق مغري جدا مش كده؟ الانجاز السريع، بس المشكلة في المنطق ده انه بيلغي حاجتين صغيرين جدا، الرقابة والمحاسبة. لما تدي الشغل للجيش عشان ينجز بسرعة محدش بيجرو يسأل صرفت كام ولا كسبت كام ولا الجودة عاملة إيه؟ تحت قيادة عامر الجيش بدأ يتدخل في كل حاجة وبدأ يدير قطاعات اقتصادية واسعة خصوصا بعد العدوان الثلاثي في 1956. لما الدولة أممت ممتلكات بريطانية وفرنسية كتيرة جدا حوالي 15 ألف منشأة ومصلحة. ومين اللي أشرف على إدارة جزء كبير من التركة دي بالظبط الضباط. بس النقلة النوعية أو خلينا نسميها الطفرة اللي حولت الجيش من مجرد مدير لاقتصاد الدولة لمالك لاقتصاد موازي حصلت في عصر السادات. وتحديدا بعد حرب أكتوبر 73، بعد الحرب حصلت اتفاقية كامب ديفيد في 78. والاتفاقية دي جابت معاها حاجة اسمها عائد السلام، أمريكا قررت تدفع لمصر معونة عسكرية سنوية بحوالي 1.3 مليار دولار. هنا الجيش المصري لقى نفسه في موقف وجودي غريب بقى لنا 30 سنة بنحارب أو بنستعد للحرب وكل مواردنا وكل تجنيدنا وكل تدريبنا موجه للجبهة. وفجأة مفيش حرب، طب هنعمل ايه بمئات الآلاف من الجنود دول؟ هنعمل ايه بالمعدات دي كلها، هنعمل ايه في الضباط اللي اتعودوا على النفوذ والسلطة وقت الحرب؟ الاجابة كانت في كلمة واحدة، البيزنس، سنة 79 واحفظ التاريخ ده كويس عشان ده تاريخ ميلاد الإمبراطورية. السادات أصدر القرار الجمهوري رقم 32 بتأسيس جهاز مشروعات الخدمة الوطنية. الهدف المعلن للجهاز ده كان نبيل جدا وبريء جدا وهو تحقيق الاكتفاء الذاتي للقوات المسلحة. يعني ايه؟ يعني الجيش بدل ما يشتري الطماطم والخيار والبيض من السوق ويزاحم المواطنين، يزرع هو أكله. ويربي هو فراخه ويبيض هو بنفسه ويفصل هو لبسه، منطق اقتصادي سليم، يعني يوفر على ميزانية الدولة ويقلل الضغط على السوق. بس اللي حصل على أرض الواقع كان حاجة تانية خالص، المبدأ ده كان هو حصان طروادة. الجهاز ده بدأ بالاكتفاء الذاتي وبعدين قالك طب ما احنا عندنا فايض طماطم أهو مانبيعه في السوق للمواطنين بأسعار رخيصة ونخدم الشعب. أه جميل، قال لا طب ما احنا عندنا فايض في قدرات البناء مانخش نبني كباري وطرق. إيه ده طب ما احنا عندنا فايض في المهندسين، ما نفتح مصانع أجهزة كهربائية وشوية بشوية الاكتفاء الذاتي اتحول لمنافسة تجارية. بس المنافسة دي ماكانتش شريفة قوي يعني، تخيل انك فاتح مصنع مكرونة بتدفع ايجار للمبنى. وبتدفع كهربا بسعر تجاري وبتدفع ضرايب وبتدفع جمارك على الديل المستورد وبتدفع مرتبات للعمال وتأمينات اجتماعية. وجنبك في نفس الشارع فتح مصنع مكرونة تاني، المصنع التاني ده ما بيدفعش ايجار لإن الأرض بتاعته بقرار سيادي. ما بيدفعش جمارك لانه بيستورد لاحتياجات الجيش ما بيدفعش ضرايب لانه معفي بالقانون. والعمال اللي عنده مجندين بيقبضوا ملاليم، تفتكر مين فيكم هيقدر يبيع أرخص؟ ومين فيكم هيكسب أكتر ومين فيكم هيقدر يكمل ومين هيقفل ويفلس؟ ده بالظبط اللي بدأ يحصل من أواخر السبعينات وطول فترة التمانينات. بس القصة مش بس جهاز الخدمة الوطنية، لا في لاعب تاني ظهر في الصورة وهو الهيئة العربية للتصنيع. الهيئة دي اتأسست سنة 1975 بفلوس خليجية السعودية والإمارات وقطر وببنية تحتية مصرية عشان نعمل صناعة عسكرية عربية مشتركة. حلم جميل، بس لما السادات وقع كامب ديفيد، الدول العربية زعلت فسحبوا فلوسهم ومشيوا. مصر عملت ايه؟ أممت الهيئة ورستها بكل معداتها وفلوسها وبقت الهيئة دي إمبراطورية صناعية مستقلة. بتصنع عربيات وتليفزيونات ومواسير وصواريخ وكله معفي من الضرايب وكله بره الميزانية. وعلى فكرة أول رئيس للهيئة دي كان أشرف مروان نسيب عبد الناصر ومستشار السادات والجاسوس المثير للجدل اللي ما احناش عارفين لحد النهار ده كان بيتجسس لينا ولا علينا. وده بيوريك ان البيزنس العسكري من يومه وهو مرتبط بأسماء ليها وزن تقيل في الدولة العميقة. نيجي بقى لعصر مبارك، عصر الجمود المستقر، مبارك حكم 30 سنة وفي 30 سنة دول. في شخصية واحدة فضلت ثابتة في مكانها لمدة 21 سنة بحالهم، المشير محمد حسين طنطاوي. وزير الدفاع من 1991 لغاية 2011، طنطاوي كان راجل تقليدي جدا مابيحبش التغيير. مابيحبش وجع الدماغ فلسفته في ادارة اقتصاد الجيش كانت اننا نعمل دولة جوه الدولة بس من غير ما نوجع دماغنا بمشاكل الدولة. الاقتصاديين بيسموا المرحلة دي مرحلة الجيوب المعزولة، يعني الجيش عمل لنفسه كومباوند اقتصادي. الكومباوند ده فيه المصانع بتاعته ومزارعه والفنادق بتاعته والنوادي بتاعته والمستشفيات بتاعته. الضباط بيتعالجوا في المستشفيات بتاعة الجيش اللي هي أنظف بكتير من مستشفيات عامة الشعب. بياكلوا من مزارع الجيش، بيقضوا اجازاتهم في فنادق الجيش، ولما الضابط بيتقاعد ما بيطلعش على المعاش يقعد في البيت، لا ده بيتم اعادة تدويره. ودي النقطة اللي بتبدأ فيها جمهورية الضباط وده مش مجرد وصف مجازي يعني لا دي شبكة توظيف ضخمة. أي لواء يطلع معاش بيلاقي له كرسي جاهز فورا رئيس هيئة صرف صحي محافظ، رئيس حي، رئيس شركة قابضة، رئيس مينا. الشبكة دي ضمنت ولاء الضباط نفسهم لإنهم عارفين إن الخير ما بيخلص بقلع البدلة الميري. بالعكس ده بيبدأ بعدها وفي نفس الوقت الشبكة دي خلت البيروقراطية المصرية كلها متعسكرة. أي قرار اقتصادي أو اداري في الدولة لازم يعدي على مكتب سيادة اللواء، بس في أواخر عصر مبارك وتحديدا قبل العشرية السودة قبل ثورة الانقلاب من 2000 ل 2010. حصل تشويش على السيستم ده، ظهر جمال مبارك وشلة رجال الأعمال بتوعه أحمد عز وغيره. الشلة دي كانت عاوزة تعمل خصخصة كانوا عاوزين يبيعوا القطاع العام وعاوزين يفتحوا السوق وعاوزين ياخدوا حتة من التورتة. المشير طنطاوي والجيش بصوا للموضوع ده بقلق شديد، الخصخصة معناها إن شركات الجيش ممكن تتكشف أو تضطر تنافس منافسة حقيقية أو إن نفوذ رجال الأعمال المدنيين يكبر على حساب نفوذ الضباط. الوثائق الدبلوماسية الامريكية اللي اتسربت بعد كده على ويكليكس كشفت ان طنطاوي كان بيقاوم الاصلاحات الاقتصادية بتاع جمال مبارك بشراسة. كان شايف انها تهديد للأمن القومي والمقصود بالأمن القومي هنا طبعا هو الأمن الاقتصادي للمؤسسة العسكرية. عشان كده لما قامت ثورة انقلاب يناير 2011 الجيش ماكانش زعلان قوي على مبارك وابنه. بالعكس دي كانت فرصة ذهبية لتنظيف الساحة من المنافسين الجداد دول. ولا يستبعد اصلا ان الجيش يكون ورا الليلة دي كلها، المجلس العسكري لما مسك الحكم بعد تنحي مبارك في فبراير 2011. قعد يحكم بشكل مباشر لمدة 17 شهر، الـ 17 شهر دول الناس فيهم كانوا مشغولين بالمظاهرات والمليونيات والدستور أولا ولا الانتخابات أولا. بس في الغرف المغلقة المجلس العسكري كان مشغول بحاجة تانية خالص، تحصين الإمبراطورية. في مايو 2011 اللواء ممدوح شاهين عضو المجلس العسكري قال جملة كاشفة جدا في اجتماع لمناقشة الدستور. قالك الجيش لازم يكون له نوع من التأمين عشان ما يبقاش تحت رحمة أي رئيس ييجي. الخوف كان حقيقي يعني ايه اللي يضمن ان الرئيس الجديد أيا كان هو مين ما يجيش يقول لنا افتحوا دفاتركم. عشان كده في الفترة دي الجيش أصدر مراسيم وقوانين بتدي له حصانة مطلقة. في نوفمبر 2011 صدر مرسوم بيدي الحق لجهاز مشروعات أراضي القوات المسلحة انه يدخل في شراكة تجارية مع مستثمرين محليين وأجانب. يعني إيه؟ يعني الجيش عنده الأرض ببلاش طبعا لانها صحرا والمستثمر معاه الفلوس. يبقى نعمل شركة سوا، الجيش يحط الأرض كحصة عينية والمستثمر يبني والأرباح تتقسم. طب هو الأرض دي اصلا ملك مين؟ بقت ملك الجيش ازاي؟ ورثها؟ الأرض دي ملك الشعب. طب تمن الأرض دخل خزانة الدولة؟ لا دخل خزانة الجيش، طب فين الرقابة؟ مفيش ده أمن قومي. المرحلة دي اللي هي من 2011 ل 2013 كانت مرحلة ترتيب البيت من الداخل. الجيش اتخلص من صداع التوريث وصداع رجال الاعمال بتوع جمال مبارك اللي دخلوا السجون بتهم فساد وده طبعا كان لمصلحة الجيش عشان يزيح المنافسين. وفي نفس الوقت حصن نفسه دستوريا وقانونيا ضد أي رئيس مدني قادم سواء كان شفيق أو مرسي. ولما جي محمد مرسي وعين السيسي وزير دفاع في أغسطس 2012، كان فاكر إنه بيعين لواء بتاع ربنا مستكين طيب. لكنه في الحقيقة كان بيعين الابن النجيب للمؤسسة اللي شربت مبدأ الاستقلال المالي وحولته لعقيدة راسخة. وهنا بندخل في مرحلة الطوفان، مرحلة ما بعد 2013 اللي تعتبر نقطة تحول نوعية في تاريخ الاقتصاد المصري كله. اللي فات ده كله كان كوم، واللي حصل بعد كده بعد 2013 كوم تاني خالص. لان السيسي ماكانش جاي بس يحكم، السيسي كان جاي ومعاه فلسفة اقتصادية جديدة تماما. فلسفة بتقول إن الدولة بوزاراتها وموظفينها وقوانينها هي العائق وإن الجيش هو الحل الوحيد لبناء مصر الجديدة اللي إن شاء الله مايبقاش فيها مواطنين خالص تبقى كلها جيش بس. فلسفة بتشوف إن القطاع المدني فاسد وكسلان وإن القطاع الخاص طماع وجبان. وإن المؤسسة العسكرية هي الوحيدة اللي تقدر تبني مدن في الصحرا وتحفر قنوات جديدة وتعمل شبكات طرق عملاقة. ومن هنا بدأ عصر المشاريع القومية العملاقة، العصر اللي اتحول فيه الجيش من دولة داخل الدولة لدولة فوق الدولة. بس قبل ما ندخل في تفاصيل العاصمة الإدارية ومصانع الأسمنت ومزارع السمك، محتاجين نسأل نفسنا سؤال مهم جدا. هو إيه هو البنزين اللي مشي المكنة العملاقة دي؟ منين الجيش جاب الفلوس دي كلها عشان يبني ده كله اصلا؟ وهل فعلا المشاريع دي بتكسب ولا هي مجرد فناكيش بنبنيها عشان ناخد اللقطة وفي الأخر بتطلع أصول ميتة زي ما بيقولوا علماء الاقتصاد؟ كلمة السر هنا في الأرض، دي الكلمة اللي بتفتح مغارة علي بابا. في مصر الأرض مش مجرد تراب ومساحة، لا الأرض هي العملة الصعبة الحقيقية. حسب تقرير صادر عن البنك الدولي سنة 2006 يعني من قبل الأحداث دي كلها بسنين. حوالي 90% لـ 95% من مساحة مصر واقعة كلها تحت الولاية العسكرية، يعني إيه؟ خلينا نرجع لبنك الحظ تاني، فاكر اللاعب اللي محدش يقدر يكسبه ده؟ اللاعب ده مش بس بيمتلك الفنادق والمحطات لا سعادتك ده بيمتلك اللعبة نفسها، أرض اللعب. أي حتة أرض صحراوية، أي حتة أرض ساحلية، أي حتة أرض خارج الزمام الزراعي الضيق بتاع الدلتا والنيل تبقى بتاعته. عاوز تبني منتجع سياحي في الغردقة لازم تاخد موافقة هيئة عمليات القوات المسلحة. عاوز تبني مزرعة طاقة شمسية في بنان لازم تدفع رسوم للجيش، عاوز تنقب عن ذهب، عن فوسفات، رخام لازم شريكك يكون سيادة اللواء. الأرض دي هي رأس المال اللي الجيش دخل بيه البيزنس الثقيل بعد 2013. والجيش ماكانش عنده سيولة نقدية كبيرة في الأول بس عنده أراضي قيمتها تريليونات. فكانت المعادلة ان انا معايا الارض وانت كقطاع خاص او مستثمر أجنبي معاك الفلوس. تعالى نشتغل سوا انا ادخل بالأرض حصتي وانت ابني واصرف والأرباح بالنص. ومن هنا اتولدت شركة العاصمة الادارية للتنمية العمرانية أهو الشركة دي هي الوحش اللي بلع السيولة في مصر كلها. مين صاحب الشركة دي؟ 51% منها ملك للجيش، جهاز الخدمة الوطنية وجهاز مشروعات أراضي القوات المسلحة. و 49% منها ملك لوزارة الاسكان هيئة المجتمعات العمرانية. طيب ركز معايا بقى في التفصيلة اللي جاية دي عشان هتخليك تضحك وتلطم في نفس الوقت. الجيش بصفته المالك للأرض الصحراوية ببلاش دخل شريك في الشركة، الشركة دي خططت الأرض وقسمتها. وباعتها للمطورين العقاريين بمليارات، ومش بس كده دي باعت أراضي للوزارات الحكومية نفسها. يعني وزارة المالية عشان تبني مقرها الجديد في العاصمة الإدارية، اشترت الأرض من شركة العاصمة اللي الجيش بيمتلك أغلبيتها. يعني الحكومة دفعت فلوس من جيب دافع الضرايب اللي هو جيبك انت عشان تشتري أرض المفروض أنها ملك الدولة اصلا يعني المفروض انها ملكك. بس الفلوس راحت في الخزنة الخاصة اللي في الاوضة المقفولة بتاعة الجيش، فهمت اللعبة؟ دي مش تنمية، دي عملية شفط ممنهج للسيولة من جيب البلد كلها عشان كل المليم في البلد يروح لجيب الجيش. بس الموضوع ما كانش واقف عند العقارات ده دخل في اللحم الحي للاقتصاد الصناعة والمقاولات. بعد 2013 السيسي كان عنده قناعة راسخة ان القطاع الخاص ده متدلع وجبان. هو عاوز يعمل كباري في 6 شهور القطاع الخاص بيقوله يا ريس دي دراسة جدوى بتقول سنتين. عاوز يعمل أكبر مصنع أسمنت في الشرق الاوسط والقطاع الخاص بيقوله يا فندم السوق متشبع عندنا فايض. فالسيسي قرر خلاص الجيش هو اللي هيعمل كل حاجة وهنا ظهر لنا ما يسمى برأس المال الميت. يعني تبني حاجة ضخمة جدا ومكلفة جدا شكلها حلو قوي في الصور بس مالهاش أي جدوى اقتصادية حقيقية. أو بتخلق طاقة انتاجية زيادة عن اللزوم بتموت السوق، أوضح مثال للكلام ده هو مجمع أسمنت بني سويف. مصر كان عندها فايض في انتاج الأسمنت المصانع الخاصة لافارش وتايتن وهايدلبرج كانت بتشتغل بـ 60% من طاقتها وبتكح تراب. فالجيش قرر يبني أكبر مجمع أسمنت في المنطقة بطاقة 13 مليون طن سنويا. ليه؟ عشان نكسر الاحتكار ونظبط السعر، ده كان الكلام الرسمي هكذا تقول الأسطورة يعني. بس الواقع والنتيجة كانت ايه؟ اغراق السوق، الأسعار نزلت شوية في الأول. وبعدين المصانع الخاصة بدأت تقفل وتفلس لانها مش قادرة تنافس، ماهو المصنع بتاع الجيش مابيدفعش ضريبة قيمة مضافة. ما بيدفعش تأمينات عمال، الطاقة بتجيله بأسعار تفضيلية والعمالة بتاعته مجندين أو عمالة مدنية رخيصة جدا. المنافسة هنا زي ما نجيب ساويرس قال أنا ماقدرش أنافس الحكومة والجيش، دي لعبة الحكم فيها هو اللي بيلعب وهو اللي بيصفر وهو اللي بيحسب الجوان لنفسه. والنتيجة الكارثية للموضوع ده ماكانتش بس خسارة رجال الأعمال، دي كانت تطفيش للاستثمار. أي مستثمر أجنبي عاقل هيبص على مصر ويقول أروح أحط فلوسي في بلد ممكن اصحى الصبح الاقي الجيش عمل مصنع زي بتاعي وبيبيع بنص الثمن. ليه يا عم وانا عبيط؟ وده اللي خلى الاستثمار الاجنبي المباشر في مصر ما عدا قطاع البترول والغاز يوصل لمستويات متدنية جدا خلال الـ 10 سنين اللي فاتوا. نيجي بقى للمقاول المدني الصغير، الشريحة دي كانوا ناس عايشين ومستورين، بياخدوا مقاولات رصف طرق، بنا مدارس، تشطيب عمارات. لما الهيئة الهندسية للقوات المسلحة استولت على سوق المقاولات، الناس دي بيوتها اتخربت، إزاي؟ الهيئة الهندسية مابتنزلش تبني بنفسها في كل حتة، لا هي بتشتغل بنظام المقاولة من الباطن. الجيش ياخد المشروع الكبير بالأمر المباشر من الحكومة من غير مناقصة ولا وجع قلب، وبعدين يجيب المقاولين الصغيرين دول ويقول لهم خدوا الشغلانة دي. بس هتاخدوا فلوسكوا لو ربنا يسهل وهتاخدوا بالسعر اللي انا أحدده، فالمقاول يضطر يوافق عشان مفيش شغل غير ده. يشتغل ويصرف ويستلف من البنك، وييجي وقت المستخلصات الفلوس تتأخر. شهر، اتنين، سنة، آلاف الشركات الصغيرة فلست، آلاف المهندسين قعدوا في البيت. المعدات صدد تسمع من مقاولين كتير قصص تشيب، ناس باعت بيوتها عشان تسدد ديون الشيكات وناس دخلت السجن وناس هربت بره البلد. دي كانت التكلفة البشرية للإعجاز الهندسي اللي بتشوفه في الكباري. كل كوبري بتعدي عليه بعربيتك أو بيعدي هو عليك من بلكونة بيتك مدفون تحته حلم مقاول صغير فلس عشان الكوبري ده يخلص في تلات شهور بدل سنتين. ومش بس المقاولات، الموضوع وصل للأكل والشرب، انت كمواطن مصري لو صحيت الصبح وفطرت. لو لسه معاك فلوس تجيب فطار يعني، احتمال كبير تكون كلت من عند الجيش من غير ما تحس. شربت مياه معدنية شركة صافي جيش، عملت ساندوتش مكرونة مكرونة كوين جيش، حطيت بنزين وانت رايح الشغل محطة وطنية أو شل اوت جيش. اشتريت خضار من المنافذ المتنقلة عشان أرخص، جيش، حتى لو قررت تتجوز قاعات الأفراح جيش. وده اللي خلى هشام جنينة الرئيس السابق للجهاز المركزي للمحاسبات يصرخ ويلطم قبل ما يتم عزله ومحاكمته. ويقول ايه علاقة قاعات الأفراح بالأمن القومي؟ ليه انا ماقدرش أراقب ميزانية قاعة فرح؟ أهو التمدد السرطاني ده خلق حالة من الجمود في شرايين الاقتصاد. حالة الاقتصاديين بيسموها مزاحمة القطاع الخاص، تخيل كده الاقتصاد ده عبارة عن يعني حوض سمك. السمك اللي فيه صغير، فجأة قرش نط لهم في الحوض ده، قام أخد مساحة الحوض كله. والسمك اتفعص في الأزاز أو اتنطر بره الحوض، ده بالظبط اللي حصل في الاقتصاد المصري. ماهو ليه حيز مايكبرش عنه، بس الكارثة الأكبر ماكانتش في المزاحمة بس، الكارثة كانت في الديون. وهنا بنوصل للخازوق بجد، الجيش عشان يعمل المشاريع دي كلها كان محتاج عملة صعبة عشان يستورد معدات ومواد خام وتكنولوجيا. مصانع الأسمنت دي جاية من ألمانيا والصين، محطات الكهربا سيمنس جاية بتمويل بالديون. القطار الكهربي السريع، المونوريل، كل ده دولارات بتتصرف. بس مين اللي كان بيمضي على الشيكات؟ الحكومة ومين اللي كان بينفذ ويستفيد؟ الجيش. يعني الحكومة تستلف دولارات من الخارج وترفع الدين الخارجي من 40 مليار في 2014 لـ 160 مليار في 2025. وتدي الدولارات دي للجيش عشان يبني بيها عاصمة إدارية ومشاريع قومية. الجيش ياخد الدولارات يبني ويبيع ويكسب بالجنيه المصري أو بالدولار ويحط المكسب في الخزانة الخاصة بتاعته. وييجي وقت سداد الدين الحكومة تلاقي نفسها ملط لما عادش معاها دولارات ولا معاها أرباح المشاريع اللي اتعملت بالدين ده. فايه اللي يحصل؟ تروح تستلف تاني عشان تسدد القديم ونلف في دايرة مفرغة، ساقية الديون اللي مابتوقفش. لحد ما وصلنا لديسمبر 2025، اللحظة اللي الساقية فيها وقفت والحمار مات. في اللحظة دي بان حجم المأساة الاقتصاد المصري كان عامل زي مريض دخل العناية المركزة بسبب نزيف حاد. الدكاترة اللي هما صندوق النقد والخليج قالوا للمريض ده محتاج نقل دم فورا محتاج دولارات. واحنا الصراحة ما عادش هنقدر نديه دم تاني عشان كل ما نديه دم في حد بيشفطه منه ما تفهمش ازاي. الحكومة بصت على الحد ده لقيته الأخ الكبير قاعد صحته زي البومب خدوده موردة وجيبه مليان أكياس دم دولارات مخزنها لنفسه. فالحكومة قالت له ابوس ايدك كيس دم واحد المريض بيموت، فالأخ الكبير عدل ياقة الميري وبص في ساعته الرولكس. وقال معلش ده احتياطي استراتيجي للأمن القومي، لو اديتك منه هبقى ضعيف زيك. موت انت بس وانا هبقى اعملك جنازة عسكرية تليق بيك ما تقلقش، الرفض ده ماكانش ندالة ده كان عقيدة. عقيدة بتقول إن الدولة هي الجيش والباقيين دول مجرد سكان أو ضيوف. وإن بقاء الجيش غني وقوي أهم مليون مرة من ان الميزانية العامة تتظبط أو ان الديون تتسدد. بس القصة لسه ما خلصتش لإن في خزنة تانية لسه مافتحناش بابها خزنة أعمق وأخطر. احنا اتكلمنا عن الأرض وعن المقاولات وعن المكرونة بس ماتكلمناش عن الدهب لسه، لما تبص على خريطة مصر. هتلاقي على اليمين كده في مساحة كلها أصفر في أصفر كده ماشاء الله اللي هي الصحرا الشرقية. الصحرا دي عبارة عن خزنة ضخمة مليانة عروق دهب وفوسفات ومنجنيز ورخام. ثروة نايمة تحت الأرض بقى لها ملايين السنين مستنية اللي يمد ايده وياخدها. ولحد 2014 كان في قوانين بتحكم مين يمد ايده وازاي والفلوس دي تروح فين؟ قوانين قديمة كانت بتقول ان الثروة دي ملك الشعب لكن يوم 9 ديسمبر 2014 والتاريخ ده مهم جدا ولازم تحط تحته 100 خط. في اليوم ده صدر قرار بقانون 198 لسنة 2014 بشأن الثروة المعدنية. القانون ده ماكانش مجرد تعديل اداري ده كان عقد ملكية جديد. القانون ده وبكل بساطة شال ولاية الجهات المدنية والرقابية على المناجم والمحاجر وادى وزير الدفاع سلطة الفيتو. يعني أي حتة أرض في مصر عشان تطلع منها ثروة معدنية لازم تاخد موافقة وزارة الدفاع. والوزارة ليها الحق تحدد مناطق معينة تقول ان دي مناطق استراتيجية ذات أهمية عسكرية. وبمجرد ما المنطقة دي تتختم بختم عسكرية خلاص شكرا خرجت من ولاية الدولة وخرجت من ميزانية الدولة ودخلت في الثقب الأسود بتاع خزنة الجيش. وهنا ظهرت شركة اسمها غريب شوية شركة شلاتين للثروة المعدنية. الاسم يعني يوحي كده انها شركة حكومية في الأقاليم في شلاتين الغلبانة دي صح؟ لكن تيجي تبص تحت الغطا الشركة دي بتاعة مين؟ الكتلة الأكبر والسيطرة الفعلية في ايد جهاز مشروعات الخدمة الوطنية الجيش. ومعاهم بنك الاستثمار القومي وهيئة الثروة المعدنية كديكور مدني عشان الورق يكمل، بس الإدارة لواءات. السياسة التسعيرية أوامر عسكرية، الأمن قوات حرس حدود، الشركة دي عملت نظام في الصحرا الشرقية. علماء الاجتماع والاقتصاد بيسموه الاقطاع الجديد، عارف ايام المماليك لما كان المملوك بيمتلك الأرض بالفلاحين اللي عليها؟ والفلاح يزرع ويطلع عينه وفي الأخر ياخد الفتات اللي يادوب يعيشه والمملوك ياخد المحصول كله؟ ده بالظبط اللي بيحصل هناك، بس بدل القمح السلعة هنا هي الدهب. في الجنوب في آلاف الدهابة، دول مواطنين مصريين بسطاء من قبائل العبابدة والبشارية وأهل الصعيد. الناس دي ورثت مهنة التنقيب عن أجداد أجدادهم، بيطلعوا الجبل في عز الحر والعطش ومعاهم معدات بدائية. يحفروا في الصخر ويستخلصوا جرامات ذهب بسيطة عشان ياكلوا عيالهم، زمان كانت العملية دي بتمشي بشكل عرفي أو بوضع اليد. شركة شلاتين دي جات قالت لهم لا، تعالوا بقى لما نقنن وضعكم. أيه يا فرج الله، يعني هنبقى موظفين ولنا تأمينات وحقوق؟ لا طبعا انت عبيط؟ التقنين هنا معناه انك هتشتغل بالسخرة وانت ساكت، النظام كالتالي. الشركة بتسمح للدهابة انهم ينقبوا في مناطق محددة بس بشرط واحد صارم جدا. أي جرام دهب تطلعه تبيعه ليا انا بس وبالسعر اللي انا أحدده، وهنا بقى بتكمن السرقة المقننة. الشركة بتحدد سعر شراء الدهب من المنقبين بأقل من السعر العالمي بكتير. يعني لو جرام الدهب بـ 3000 جنيه في السوق الشركة بتشتريه من الدهابة بـ 2400 مثلا. الفرق ده الـ 600 جنيه بيروحوا فين؟ بيروحوا صافي لشركة شلاتين من غير ما تحفر ولا تعرق ولا تخاطر بحياتك. هي بس قاعدة على البوابة حاطة رجل على رجل وبتحصل اتوا من عرق الناس. واللي يفكر يبيع الدهب بره الشركة تهمة التنقيب غير الشرعي وتهريب ثروات البلاد جاهزة والمحاكمات العسكرية شغالة. المأساة هنا مش بس مالية دي مأساة انسانية مكتملة الأركان. المنقبين دول بيستخدموا مواد سامة زي الزئبق والسيانيد عشان يفصلوا الدهب عن الصخر. المواد دي بتدمر صحتهم وبتجيب سرطانات وفشل كلوي، هل شركة شلاتين اللي بتكسب مليارات دي بنت مستشفى محترمة في المنطقة مثلا؟ لا، هل وفرت معدات سلامة؟ لا، هي بتعاملهم زي قطع الغيار الديسبوسبل يعني. اللي يصد منها يترمي ويجي غيره، نيجي للسؤال اللي بيجنن الاقتصاديين. حجم الدهب ده قد ايه؟ محدش يعرف رقم دقيق لان دي أسرار عسكرية، بس التقديرات والهمس اللي داير في سوق الصاغة بيقول اننا بنتكلم عن أرقام مرعبة. مش بس من الانتاج المحلي ده في كمان دهب السودان بسبب الحرب في السودان. كميات ضخمة من الدهب بتدخل مصر عبر الحدود الجنوبية والدهب ده بيتم غسيله في النظام المصري وبيدخل ضمن حصيلة الشركات دي. والنتيجة كميات مهولة من الدهب بتتكدس في الخزائن السيادية. دهب يعني قيمة خالصة مش بنكنوت بتاع بنك الحظ دهب هو أصعب عملة دهب يعني قوة. وهنا بنرجع للمشهد العبثي بتاع ديسمبر 2025، الحكومة المصرية المدنية واقفة عريانة ملط قدام العالم. ماما معاها دولار واحد تسدد بيه أقساط الدين والجنيه المصري بيترنح. وفي نفس الوقت على بعد خطوات من مقر الحكومة في خزاين تابعة للأخ الكبير فيها سبايك دهب لو اتباع جزء منها كان ممكن يحل الأزمة في دقيقة. بس الدهب ده مش للدولة الدهب ده للجمهورية الموازية، طب الفلوس دي كلها أرباح العقارات وأرباح المكرونة وأرباح الدهب. بتروح فين؟ هل الجنرالات بيعبوها في شكاير ويحطوها تحت البلاطة؟ لا المنظومة أعقد من كده بكتير. الفلوس دي بيعاد تدويرها عشان تخلق شبكة ولاء صلبة جدا. الضباط الكبار محتاجين يضمنوا ولاء الضباط اللي تحتهم فبيعملوا إيه؟ بيبنوا مدن ضباط خرافية، نوادي أفخم من فنادق السبع نجوم، مستشفيات عالمية، مكافآت شهرية، حوافز، بدلات، قروض ميسرة جدا. الضابط الشاب بيطلع يلاقي نفسه عايش في مستوى اجتماعي مختلف تماما عن أخوه المهندس أو الدكتور المدني. بيحس انه بينتمي لطبقة أسياد مميزة وده بيخلق عنده عقيدة ان حماية النظام هي حماية لمصلحته الشخصية المباشرة. لو النظام ده وقع أو لو المدنيين مسكوا وحاسبونا، انا مش هعرف اركب العربية دي ولا اسكن في الفيلا دي. فبيبقى مستعد يدافع عن الخزنة بحياته مش عشان الوطن بس عشان الامتيازات. طبعا وانت قاعد بتسمعني دلوقتي ممكن تقول يا عم انا مالي ما يسرقوا ولا يعملوا اللي يعملوه، أنا مواطن غلبان بجري على اكل عيشي. يا ده انت طيب قوي يا أخي، انت فاكر نفسك بره اللعبة مش كده؟ حضرتك مش بره اللعبة، حضرتك انت نفسك الكورة اللي بيتلاعب بيها، تعالى اقولك ازاي إمبراطورية الجيش دي بتمد ايدها في جيبك كل يوم. وتسرق منك لقمة العيش حرفيا مش مجازا، الاقتصاد عامل زي الأواني المستطرفة كله مسمع في بعضه. لما جهة معينة زي الجيش مثلا تاخد اعفاءات ضريبية واعفاءات جمركية وطاقة رخيصة الدولة بتخسر ايرادات ضخمة اللي هي الضرايب والجمارك اللي كان المفروض تدفع. طب الدولة هتعوض الخسارة دي منين؟ بالظبط منك انت فترفع عليك ضريبة القيمة المضافة. ترفع عليك سعر تذكرة المترو ترفع الدعم عن العيش والكهربا تقلل الصرف على التعليم والصحة عشان مفيش فلوس. فانت تلاقي نفسك بتدفع فاتورة امتيازات الجيش من جيبك، كل مرة بتشتري كيس سكر بسعر غالي. افتكر ان جزء من الغلا ده سببه ان في حد محتكر صناعة السكر، كل مرة ابنك بيروح مدرسة حكومية ويقعد على الأرض عشان مفيش دكة يقعد عليها. افتكر ان الفلوس اللي كان ممكن تشتري دكك عشان الطلبة يقعدوا عليها راحت في بناء الكيان العسكري الأوكتاجون اللي في العاصمة الإدارية اللي بيتقال انه أكبر وأفخم من البنتاجون الأمريكي نفسه. المواطن المصري بيدفع حاجة اسمها الضريبة الخفية، ضريبة محدش بيديك وصل انك دفعتها. بس بتخصم من عمرك ومن صحتك ومن جودة حياتك، لما القطاع الخاص انكمش ومات فرص العمل الحقيقية اختفت. الناس ما عادتش لاقية وظايف ما بقاش في قدام الشباب غير حلين، يا يشتغلوا في كول سنتر ويقبضوا ملاليم. يا يسافروا يأجروا عمرهم في الخليج، يا يركبوا البحر ويهجروا هجرة غير شرعية. أما الشغل في مصانع الجيش ده غالبا للمجند أبو 500 جنيه في الشهر أو العمالة المؤقتة مالهاش أي حقوق. فبقينا قدام معادلة صفرية، مؤسسة بتزداد ثراء وبتتوحش، وشعب بيزداد فقر وبينكمش. وفي ظل كل ده الاعلام الرسمي بيطبل للانجازات وأي أزمات تحصل يقول لك ده سببها حرب غزة أو حرب أوكرانيا أو كورونا. شماعات، شماعات بتترص عشان تعلق عليها الفشل، لكن محدش بيجرؤ يشاور على الفيل اللي في الأوضة. محدش بيجرؤ يقول يا جماعة الاقتصاد ماينفعش يدار بالأمر العسكري، بس في 2026 ومع الافلاس الفعلي اللي حصل الصوت ده بيعلى. مش صوت المعارضة السياسية لانهم في السجون لكن صوت حلفاء النظام نفسهم، الخليج بدأ يشتكي. صندوق النقد بدأ يكسر عن انيابه، حتى بعض الأصوات جوه الدولة نفسها بدأت تهمس ان كده مش هينفع نكمل. تفتكروا السيناريو هيمشي ازاي؟ هل الأخ الكبير ممكن يتنازل ويفتح الخزنة عشان ينقذ البيت؟ ولا هيسيب البيت يولع ويقعد هو يتفرج من البرج العاج بتاعه؟ وهل في نموذج في العالم نجح انه يخرج من فخ العسكر ده؟ زي تركيا أو الصين مثلا أو اندونيسيا ولا احنا محكوم علينا نفضل نلف في الساقية دي لحد ما نموت؟ عشان نعرف احنا رايحين على فين لازم نبص على الخريطة العالمية ونشوف مين سبقنا في الطريق ده. وهل مصر حالة فريدة من نوعها؟ هل احنا بدعة في التاريخ؟ للأسف الاجابة هي لا. في دول تانية لبست نفس اللبس الكاكي ده قبلنا والنتائج بتاعتهم هي الكتالوج اللي ممكن نقرا فيه المستقبل بتاعنا. أقرب مثال لينا واللي تكاد تكون توأم روحنا في القصة دي هي باكستان، في باكستان الجيش مش مجرد حامي للحدود. لا الجيش هو أكبر كيان تجاري في البلد عندهم حاجة اسمها مؤسسة فودجي، المؤسسة دي بتعمل كل حاجة تتخيلها. عاوز تاكل عيلك الصبح كورن فليكس هتشتري كورن فليكس الجيش، عاوز تبني بيت هتشتري أسمنت الجيش، عاوز تحط فلوسك في البنك هتحطها في بنك الجيش. باكستان هي المراية اللي مصر بتبص فيها دلوقتي، نفس الهيكل، ضباط متقاعدين بيمسكوا الشركات. أراضي بتتخصم بالمجان واعفاءات من الضرايب، الفرق الوحيد إن في باكستان بيعملوا ده تحت ستار صناديق خيرية للمحاربين القدامى. لكن عندنا في مصر الموضوع على عينك يا تاجر وزارات وهيئات رسمية بختم النسر، طب هل في حد عرف يخرج من المصيدة دي؟ تعالى نبص على تركيا، تركيا نموذج محير جدا، الناس فاكرين ان أردوغان وحزب العدالة والتنمية قصقصوا ريش الجيش وقعدوا الجنرالات في البيت. سياسيا؟ اه حصل، الجنرالات مابقوش بيحكموا، لكن اقتصاديا المفاجأة ان امبراطورية الجيش التركي الاقتصادية اللي اسمها أويك. كبرت وتوحشت في عهد أردوغان أكتر من أي وقت فات، أصول أويك الضعف 30 مرة من 2001 ل 2017. يعني المعادلة كانت يا جنرالات، سيبوا السياسة والانتخابات وخليكم في البيزنس والفلوس وده درس قاسي جدا لمصر. ان الإصلاح السياسي مش بالضرورة بييجي معاه إصلاح الاقتصاد الجيش. احنا ممكن جدا نعيش سيناريو يبقى فيه برلمان وحكومة بس الجيش لسه ماسك الخزنة ومفاتيح الدهب. النموذج الوحيد وبكرر الوحيد اللي نجح في العالم انه يفكك بيزنس الجيش هو الصين. سنة 1988 الرئيس الصيني جانج زيمن خد قرار تاريخي ان الجيش لازم يخرج من البيزنس. في ليلة واحدة تم تحويل 5000 شركة عسكرية لادارات مدنية، ازاي قدر يعمل المعجزة دي؟ ببساطة اشتراهم، الحكومة الصينية ضاعفت ميزانية الجيش الرسمية. قالت للجنرالات انتوا بتكسبوا كام من المصانع والعربيات والتلاجات دي؟ مليار خدوا 2 مليار زيادة في ميزانية التسليح والرواتب وسيبوا المصانع. بمعنى أصح الدولة كان معاها سيولة تقدر تدفع بيها تعويض للجيش عشان يخرج من السوق، وهنا المأساة المصرية بتكمل. مصر مفلسة احنا ما عندناش الرفاهية المالية اللي كانت عند الصين عشان نقول للجيش خد فلوس وسيب الاقتصاد. بالعكس الدولة هي اللي بتشحت من الجيش دلوقتي وهو اللي رافض يسلفها مع ان الفلوس اصلا فلوسها. فبالتالي سيناريو الخروج الآمن أو التعويض المالي ده سيناريو خيالي في حالتنا. احنا محبوسين في أوضة ضيقة مع فيل ضخم وهايج في موسم التزاوج. طب اندونيسيا؟ اندونيسيا طلعت قانون سنة 2004 بيلزم الجيش ببيع شركاته خلال 5 سنين، حصل ايه؟ ولا حاجة استغلوا ثغرات قانونية واستسنوا التعاونيات والشركات فضلت شغالة من الباطن. وفي 2025 السنة اللي فاتت الجنرال برابو سوبيانتن بقى رئيس لاندونيسيا ورجع الضباط تاني للحكومة. وده بيعلمنا ان القوانين على الورق مالهاش أي لازمة لو مفيش قوة سياسية تقدر تنفذها. نرجع بقى لمصر المهروسة في 2026، السيناريوهات اللي قدامنا دلوقتي. الحكومة تحت ضغط صندوق النقد والخليج أعلنت عن برنامج طرحات، قالوا هنبيع شركات الجيش في البورصة زي شركة وطنية للبنزين وشركة صافي للميه. هل ده حل؟ هو ده عامل بالظبط زي ما تبيع عفش بيتك عشان تدفع الايجار. انت بتبيع أصول بس السيستم نفسه لسه شغال، يعني حتى لو بعت شركة وطنية لمستثمر اماراتي. مين اللي بيملك الأرض اللي عليها محطات البنزين دي؟ الجيش، مين اللي بيملك حق ترخيص المحطات الجديدة؟ الجيش. مين اللي يقدر يبني محطة جنبك بكرة الصبح ويخسرك؟ الجيش، فالمستثمر الأجنبي مش عبيط. هو عارف إنه بيشتري حصة في الربح مابيشتريش لا نفوذ ولا سيطرة. السيطرة هتفضل دايما في الأوكتاجون، السيناريو الأسوأ واللي بيتحقق دلوقتي بالفعل هو سيناريو الرهن العقاري للدولة. صفقة رأس الحكمة اللي تمت في 2024 بـ 35 مليار دولار كانت مجرد تفتيح كلام. السعودية حولت ودائعها لاستثمارات، الإمارات بتستحوذ على فنادق تاريخية وأراضي سياحية وأراضي سياحية.



