[0:04]الحمد لله رب العالمين حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده ويثبت القلوب على الحق اذا التبس ويهدي العقول الى الصواب اذا تنازعتها الاهواء.
[0:21]والصلاه والسلام على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي جاء ليكسر قيود العصبيات ويقيم ميزان العدل بين الناس فلا يعرف الحق بالرجال ولكن يعرف الرجال بالحق.
[0:41]وبعد فقد توقفنا عند الباب الثاني من كتاب فقه الائتلاف للاستاذ الخازندار وقد عنونه بقوله الانصاف في الولاء للحق.
[0:54]وهو ليس حديثا عن خلق زائد يمكن الاستغناء عنه ولا نافله اخلاقيه تستحسن في اوقات الصفاء وتهمل عند الخلاف.
[1:07]بل هو اصل من اصول الدين وركن من اركان الاستقامه وميزان دقيق توزن به المواقف وتمحص به الدعاوي وتكشف به حقيقه الانتماءات.
[1:23]وقد كان لازما قبل الخوض في مظاهر الانصاف ومجالاته ان يكشف اولا عن اخطر ما يفسده ويقوض بنيانه الا وهو العصبيه.
[1:37]تلك الافه التي ما دخلت قلبا الا افسدته ولا تسللت الى فكر الا اضلته ولا سيطره على جماعه الا فرقتها وجعلت الحق تابعا لا متبوعا والهوى حاكما لا محكوما.
[1:58]ومن هنا جاءت فصول هذه الابواب لتتحدث عن العصبيه التي تتنافى مع الانصاف.
[2:08]وليضع الاستاذ اليد على اصل الداء ويبين ان الانصاف لا يجتمع في قلب قد امتلا تعظيما للانتماء على حساب الحق.
[2:21]ولا مع عقل قد اعتاد ان يزن الاقوال بميزان الرجال فالمنصف لا يكون منصفا حقا حتى يتحرر من سلطان العصبيه.
[2:34]ويقف موقف العدل ولو على نفسه او شيخه او جماعته.
[2:41]لم تكن العصبيه يوما مجرد ميل عاطفي ولا تعلق بريء بل كانت في حقيقتها قيدا يغل العقل وحجابا يحجب القلب عن رؤيه الحق.
[2:58]فمن استسلم للعصبيه لم يعد ينظر الى الحق لذاته وانما ينظر اليه من خلال انتمائه الفكري.
[3:10]فان وافقه قبله وان خالفه اعرض عنه ولو كان بينا واضحا.
[3:17]والعصبيه بهذا المعنى ليست انحرافا فكريا فحسب بل مرض اخلاقي يبدا من النفس قبل ان يظهر في المواقف اذ لا يتعصب الانسان الا اذا قدم ذاته او شيخه او مذهبه على الحق الذي جاء ليحرر الانسان من كل عبوديه سوى عبوديه الله.
[3:44]ولسائل ان يقول: كيف تفسد العصبيه ميزان الحكم؟
[3:51]ونجيب اذا تسللت العصبيه الى القلب اختل الميزان ولم تعد الاحكام تصدر وفق الدليل بل وفق الانتماء.
[4:04]فيخطا الصواب ان جاء من الخصم ويسوغ الخطا ان صدر من الصديق.
[4:11]وتحسب الزله الكبيره صغيره اذا وقعت من الداخل وتضخم الهفوه الصغيره اذا صدرت من الخارج.
[4:21]وهنا لا يعود الانسان عبدا للحق بل يصير حارسا لهويه ضيقه يذود عنها ويخاصم باسمها ويؤول النصوص لتخدمها ثم يظن بعد ذلك انه يحسن صنعا.
[4:42]العصبيه وتزييف النيات ان من اخطر اثار العصبيه انها لا تكتفي برفض الحق بل تتجاوز ذلك الى محاكمه النيات.
[4:56]فالمخالف لا يخطا قوله فحسب بل يتهم قصده وتشكك سريرته ويبحث له عن دافع خفي او غايه مشبوهه.
[5:11]وفي هذا المناخ يغيب الحوار وتموت النصيحه ويحل محلها سوء الظن والاتهام والتخوين وتتحول الساحه العلميه والدعويه الى ميدان صراع لا يطلب فيه الحق بل يطلب فيه اسقاط الخصم.
[5:30]وان من اشر العصبيه هذه العصبيه التي تتستر باسم الدين فهي لا تاتي في الغالب في صورتها العاريه بل تلبس لبوس الدين وتستعير لغته وتستظل بشعاراته فيقال نصره السنه وحمايه المنهج والذب عن الدعوه بينما الحقيقه ان المنصور هو الراس او الاسم او الانتماء.
[6:00]وهذا اللون من العصبيه هو الاخطر لانه يضفي على الهوى قداسه ويجعل مراجعته صعبه بل يجعل نقده عند اتباعه طعنا في الدين نفسه وهنا تتعقد الازمه لان الخصومه لم تعد فكريه بل صارت مقدسه.
[6:19]على انه ليس كل دفاع عن الحق عصبيه ولا كل انتماء مذموما فالغيره على الدين مطلوبه والانتماء للمنهج الحق محمود لكن الفارق الدقيقه يكمن في المعيار الحاكم.
[6:36]هل الحق هو الذي يحدد الموقف ام الموقف هو الذي يعاد تاويل الحق لاجله.
[6:44]فاذا كان الحق هو القائد زالت العصبيه وبقي الولاء خالصا له اما اذا صار الانتماء هو القائد فان العصبيه تتسرب ولو رفعت اصدق الشعارات.
[6:59]ثم للعصبيه اثار اولاها في تمزيق الصف المسلم حين تسود العصبيه يتفكك الصف وتضيع الاخوه ويصبح الخلاف الذي كان يمكن ان يكون ثراء سببا للتناحر وتبنى الجدران بدلا الجسور وتغلق القلوب قبل الابواب ويخسر الجميع ولو ظن كل فريق انه المنتصر.
[7:28]الامه في هذه الحاله لا تهزم من خارجها بل تتكل من داخلها لان العصبيه تستهلك طاقاتها في صراعات داخليه كان الاولى ان توجه للبناء والاصلاح.
[7:44]والانصاف لا يجتمع مع العصبيه الانصاف في جوهره لا يمكن ان يعيش في قلب متعصب لان الانصاف يقتضي التجرد والعصبيه تقوم على التحيز فالمنصف يقف حيث يقف الدليل والمتعصب يقف حيث يقف انتماؤه ولو تخلف الدليل.
[8:08]ومن هنا كان التخلي عن العصبيه شرطا اوليا للدخول في فقه الائتلاف ولتحقيق الولاء الصادق للحق لا للاسماء ولا للجماعات ولا للاحزاب ولا للمذاهب.
[8:24]ان العصبيه ليست مجرد خلل في السلوك بل انحراف عن حقيقه العبوديه الحق وكلما تحرر الانسان منها اقترب من الانصاف وكلما استسلم لها ابتعد عن العدل ولو كثرت شعاراته ولا سبيلا الى ولاء صادق للحق الا بقلب تحرر من العصبيه وعقل لا يعرف الانحياز الا للدليل.
[8:58]ثم جاء الفصل الثاني العصبيه اصل الانحراف عن الحق ليكشف المسار الذي تسلكه العصبيه في اضلال اصحابها.
[9:10]وكيف تبدا ميلا ثم تتحول دفاعا ثم تنقلب انكارا حتى يزين الباطل باسم النصره ويطعن في الحق باسم الغيره ويعاد تشكيل الدين لا على ضوء الوحي بل على مقاسي الانتماء والفكر.
[9:31]وفي هذا الفصل تتجلى خطوره العصبيه لا بوصفها خطا جزئيا بل باعتبارها منبعا لانحرافات كبرى في الفهم والموقف والمنهج وهنا يقرر عده حقائق نقف ان شاء الله عندها في الحلقه القادمه نسال الله ان يبارك فيكم وان يحفظكم والسلام عليكم ورحمه الله وبركاته.



