[0:03]الحمد لله الذي جعل العدل اساس الشريعه والانصاف زينه الاقوال والافعال وامر باقامه الحق ولو على النفس ونهى عن اتباع الهوى لما فيه من افساد القلوب وتشتيت الصفوف واشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له جعل الاختلاف سنه في الخلق وجعل ضبطه رحمه بالامه واشهد ان سيدنا محمدا عبده ورسوله علم امته كيف تختلف دون ان تتفرق وكيف تنكر الخطا دون ان تظلم المخالف صلى وسلم وبارك عليه وعلى اله وصحبه ومن سار على نهجهم الى يوم الدين وبعد فان من اخطر ما ابتليت به الامه في واقعها المعاصر اضطراب فقه الخلاف وسوء تنزيل الرد على المخالف حتى اختلطت النصيحه بالتشهير والغيره بالبغي والدفاع عن الحق بالانتصار للنفس فكان لزاما ان يعاد التاصيل لهذه القضيه تاصيلا شرعيا متزنا يبين ان الرد على المخالف من اصول الاسلام ولكنه اصل مقيد بالعدل مضبط بالانصاف محكوم بالمقاصد وتاتي هذه الحلقه من الكتاب الماتع الذي نعيش معه وهو كتاب فقه الائتلاف للاستاذ الخازندار رحمه الله لتضع الاسس المنهجيه لهذا الباب فتقرر حتميه الخلاف وتكشف حكمته وتبين سبل تضييقه وتحذر من اخطر افاته وهي تحويل الفروع الى اصول والجزئيات الى معايير ولاء وبراء وبذلك ينتقل الحديث من مجرد توصيف الواقع الى بناء الميزان الذي يحفظ به الحق وتصان به الاخوه وتبقى به الامه قادره على الاختلاف دون ان تفقد وحدتها وهنا يتحدث عن وضع اسس للرد على المخالف من اصول الاسلام فالرد على المخالف في ذاته حق مشروع بل قد يكون واجبا اذا تعلق بحفظ الدين وبيان الحق غير ان هذا الرد ليس اندفاعا ولا تشهيرا ولا تشفيا وانما هو امانه تؤدى بميزان العدل فان خرج الرد من نفس مخلصه تقصد البيان وتلتزم الانصاف وتراعي المال كان نصره للحق وتقويما للمسار اما اذا خرج من قلب متعجل او نفس ماخوذه بالهوى عاد وبالا على الحق نفسه قبل ان يكون وبالا على الامه وليس كل موطن يحمد فيه الكلام فكم من صمت كان احكم من خطاب وكم من رد اشعل فتنه كان السكوت عنها اولى والفقيه الحق هو الذي يعرف هذا المعيار لذا تحدث الاستاذ الخازندار رحمه الله في هذا الفصل عن جمله من النقاط نجملها فيما يلي النقطه الاولى حتميه الخلاف يبين الاستاذ رحمه الله في هذه النقطه ان الناس لم تخلق على نسق واحد ولم تجعل عقولهم سواء ولا افهامهم سويت على قالب واحد بل اقتضت حكمه الله تعالى ان تتفاوت مداركهم وتتباين طرائق نظرهم كما يتفاوتون في خلقتهم وطباعهم واستعداداتهم وهذا التفاوت اصل من اصول الخلقه لا طارئ عليها وهو البيئه الطبيعيه التي ينشا فيها الخلاف ويقع في ظلها الاختلاف ولو كان الاتفاق المطلق خيرا محضا لخلقه الله في العقول كما خلقه في الحقائق القطعيه ولكنه سبحانه فتح باب الاجتهاد ووسع دائره الفهم لتبقى الشريعه قادره على استيعاب الوقائع المتجدده والنوازل المتغيره ولتظل صالحه لكل زمان ومكان ومن هنا كان الخلاف من حيث هو امرا حتميا لا يمكن دفعه ولا يتصور ان يرفع ولا يصح ان ينكر غير ان هذا الاقرار بحتميه الخلاف لا يعني بحال من الاحوال الرضا بالتنازع ولا التسليم بما يترتب عليه من فساد وتمزق فهناك فرق بين بين الاقرار بوقوع الخلاف وبين القبول بانحرافه عن مساره الشرعي اذ الخلاف اذا خرج من دائره الاجتهاد ودخل ميدان البغي انقلب من سعه ورحمه الى فتنه وبلاء وقد نبه القران الكريم الى هذا المعنى حين ربط الاختلاف المذموم بالبغي بعد قيام الحجه فقال سبحانه وما اختلف الذين اوتوا الكتاب الا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم فدلت الايه على ان اصل الداء ليس في تعدد الاقوال بل في فساد القصد وسوء الطلب وانصراف النفوس عن اراده الحق الى اراده الغلبه ومن اخطر اثار الخلاف غير المنضبط تكاثر الفرق وتشرذم الصف وتجزئه الجماعه حتى يصير الخلاف الجزئي معيار اصطفاف والمساله الاجتهاديه سببا للقطيعه وتتحول الفروع الى رايات ترفع وتبنى عليها عداوات وحينئذ تضعف الامه من داخلها ويفتح الباب لتسلط اعدائها عليها كما شهد به التاريخ قديما وحديثا ولهذا كان ضبط الخلاف وتقليل اثاره وحصره في مجاله العلمي ضروره شرعيه ومصلحه دعويه لا مجرده خلق مستحب او خيار تربوي النقطه الثانيه حكمه الاختلاف اذا تقرر ان الخلاف حتمي فان النظر لا يتوقف عند وقوعه بل يتجاوز ذلك الى الحكمه منه وقد جرى عمل الامه منذ عهد الصحابه رضي الله عنهم على قبول الاختلاف في مسائل الاجتهاد والفروع دون ان يفسد ذلك الاخوه او يقطع ما بينهم من الود او يسقط اعتبار بعضهم بعضا فالاختلاف في الفروع سنه ماضيه لم يزل معها الدين واحده والمنهج العام محفوظا والجماعه قائمه ولم يكن هذا الاختلاف مدعاه للطعن في النيات ولا لاسقاط العداله ولا لتشويه المقاصد ما دام محصورا في اطاره العلمي ومضبوطا بضوابطه الشرعيه لقد عبر عمر بن عبد العزيز رحمه الله عن هذا بكلام كالدر المنثور فقال ما احب ان اصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا لانه لو كان قولا واحدا لكان الناس في ضيق فالاختلاف بهذا الاعتبار توسعه ورحمه بالمكلفين يجد فيها المسلم مخرجا من الحرج وسعه في العمل واختيار لما يطمئن اليه ضميره دون تكلف ولا تشدد غير ان هذه السعه لا تعني العبث بالاحكام ولا تتبع الرخص ولا جعل الخلاف ذريعه للتفلت من التكليف بل هي سعه منضبطه تمارس في اطار التقوى وطلب البراءه للذمه النقطه الثالثه كيفيه تضييق الخلاف اذا كان الخلاف واقعا لا محاله وكانت له حكمه ومقاصد فان من فقهه تضييق دائرته ومنع توسعه وحصره في حدوده الطبيعيه ومن اعظم ما يحقق ذلك استحضار ان الاصول واحده والمقاصد واحده والغايه واحده وان تنوعت طرائق النظر وتعددت مسالك الاستدلال فكثيرا ما يكون الخلاف بين المتنازعين في الوسائل لا في الغايات وفي الفروع لا في الاصول غير ان غياب هذا الاستحضار يؤدي الى تضخيم الخلاف وتحويله الى صراع صفري لا يحتمل التنوع ولا يقبل التعدد ومن مسالك التضييق كذلك الخروج من الخلاف احتياطا للدين عند القدره على ذلك وهو مسلك معتبر عند كثير من العلماء طلبا للسلامه وجمعا للكلمه لا طعنا في الاقوال الاخرى ولا ابطالها وقد قال الامام احمد رحمه الله الخروج من الخلاف مستحب وقال ايضا الخروج من الخلاف احب الينا غير ان هذا المسلك ليس واجبا في كل حال ولا مطلوبا على الاطلاق بل يقدر بقدره وينزل في موضعه بحسب المصلحه والمال وحال الناس كما يقرر الشيخ ضروره اختلاف الموقف من المخالف بحسب نوع الخلاف فليس الخلاف في مسائل الاجتهاد كالاختلاف في الاصول ولا يعامل المخالف في الفروع معامله المنحرف في المنهج والخلط بين هذه الانواع من اعظم اسباب الظلم وسوء التنزيل وتوسيع دائره الفتنه النقطه الرابعه عدم اعطاء الفروع حكم الاصول من اخطر ما يفسد فقه الخلاف قلب منظومه الاولويات حين تقدم المسائل الفرعيه على القضايا الاصوليه ويجعل الجزئي معيارا للحكم على الكلي وتنسى المقاصد الكبرى في زحمه التفاصيل الصغرى لقد قرر شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله ان اكثر ما يحتاج اليه الناس من الدين معلوم مقطوع به وان الخلاف انما يقع غالبا في دقائق لا يجوز ان تبنى عليها ولايات ولا عداوات ولا ان تتخذ معايير للفرقه والاصطفاف ومن هنا كان من فقه الدعوه والعلم عدم اشغال العامه بالمسائل الدقيقه ولا اثاره الاقوال الشاذه ولا بث الفتاوى الضعيفه التي لا يترتب عليها عمل ولا تعود بمصلحه بل تحدث تشويشا وتفتح ابواب الجدل وتبعد الناس عن مقاصد الشريعه وانما ترد الفروع الى اصولها وتوزن بميزان المقاصد فاذا عزلت عنها ضخمت وتحولت الى مازق وخرجت عن وظيفتها العلميه وافسدت اكثر مما اصلحت وبهذا يتبين ان الخلاف سنه ماضيه لا ينكر وقوعها ولا يستساغ الغائها لكنها في الوقت نفسه ميدان ابتلاء لا ينجح فيه الا من التزم العدل وحفظ الانصاف وادرك مراتب المسائل وضبط اولوياته فاذا فقد هذا الميزان انقلب الخلاف فتنه واذا حفظ بقي رحمه وساهم في حفظ وحده الامه مع بقاء سعه الاجتهاد وتنوع الفهم الى هنا نصل الى خلاصه هذا الفصل ونكمل ان شاء الله تعالى في الحلقه القادمه على امل اللقاء بكم وانتم في امن وعافيه نستودعكم الله السلام عليكم ورحمه الله وبركاته

10 - حتمية الخلاف | كاتب وكتاب
إذاعة صوت الإسلام- Sout Alislam Radio
14m 4s1,224 words~7 min read
Auto-Generated
Watch on YouTube
Share
MORE TRANSCRIPTS


