[0:04]الحمد لله الذي امر بالعدل وجعله قوام الدين. وربط الانصاف بتقوى القلوب لا بمجرد الاقوال. واشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له اقام الميزان بالقسط ونهى عن الجور ولو مع البغضاء. فقال سبحانه: يا ايها الذين امنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنان قوم على ان لا تعدلوا، اعدلوا هو اقرب للتقوى. واشهد ان سيدنا محمدا عبد الله ورسوله الذي جسد العدل خلقا وقرره حكما وربى امته على الانصاف مع الموافق والمخالف ومع القريب والبعيد. صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى اله واصحابه الذين كانوا اعدل الناس في خصومتهم واصدق الناس في اختلافاتهم. اما بعد فان العدل في ميزان الشريعه ليس اجراء ذهنيا مجردا ولا حكما باردا تصدره العقول بمعزل عن القلوب. بل هو خلق راسخ لا يقوم الا على تجريد من الهوى وتحرر من شهوه الغلبه وخوف صادق من الله قبل خوف من الخطا. والانصاف ثمره هذا الخلق وعلامه صدقه وميزان سلامته. وقد نبه النبي صلى الله عليه وسلم الى خطوره الظلم في القول والحكم فقال اتقوا الظلم فان الظلم ظلمات يوم القيامه. ونحن الان مع هذا الكتاب الماتع كتاب الاستاذ الخازندار فقه الائتلاف. وصلنا الى هذا الفصل الذي يؤصل لمعنى العدل والانصاف في سياق الخلاف لا بوصفهما ترفا اخلاقيا ولا خيارا ثانويا. بل باعتبارهما شرطا لازما لبقاء الخلاف في اطاره الشرعي وضمانه لان لا ينقلب الاجتهاد الى خصومه ولا يتحول الرد الى ظلم مقنع باسم الحق. ان الانصاف هو الميزان الذي يفرق بين الخلاف المشروع والتنازع المذموم. به تصان الاخوه حتى مع استمرار الاختلاف ويحفظ الحق دون ان يحمل بالظلم ويفتح باب للائتلاف دون تمييع ولا الغاء. والله ولي الهدايه والتوفيق. في هذا الفصل الثاني العدل والانصاف. العدل في ميزان الشريعه ليس اجراء اداريا ولا حكما يصدره العقل منفصلا عن القلب. بل هو خلق اصيل لا يستقيم الا اذا استقامت النفس والانصاف لا يولد من فراغ. وانما ينشا في قلب تجرد من الهوى وتحرر من شهوه الغلبه واستعلى على رغبه الانتصار للنفس. فكم من قضايا رفعت فيها شعارات العدل وكان الباعث الحقيقي الخصومه. وكم من احكام قدمت في صوره الانصاف وهي في جوهرها لون من الوان الظلم المغلف. اذ ليس كل من تكلم بالحق منصفا ولا كل من استشهد بالدليل عادلا. الانصاف مع المخالف ميزان صدق المنهج والانصاف لا يختبر مع الموافق فان ذلك يسير. وانما الاختبار الحقيقي له مع الاختلاف ومع المخالف. حيث تميل النفوس وتضطرب الموازين ويصعب التجرد هناك يظهر صدق المنهج وتتبين حقيقه الالتزام بذلك. المنصف الحق هو الذي يعترف للمخالف بما معه من حق ولو خالفه في كثير. ويعرض قوله كما هو لا كما يراد له ان يكون ويزن الخطا بقدره فلا يضخمه ولا يحوله الى تهمه في النيات ولا الى اسقاط في الديانه. وحين يغيب هذا الميزان تتحول المخالفه الى خصومه ويغيب التفريق بين الخطا وصاحبه. ويعامل الراي معامله الجريمه ويحاكم القصد بدل ان تناقش الحجه. الانصاف في عرض الاقوال لا في نتائجها كذلك. من اعظم صور الظلم ان ينسب الى المخالف ما لم يقل او ان يجتزا قوله من سياقه او ان تحمل عباراته ما لا تحتمل او ان يحتملها الانسان على اسوء محاملها. ثم يرد عليه بعد ذلك فهذا ليس من الرد في شيء وانما هي خصومه متنكره في ثوب العلم. العدل يقتضي ان يعرض القول كما هو باقوى صوره لا باضعفها وان يفهم على مراد صاحبه لا على ما يتوهم منه. اذ لا قيمه لرد يهدم صوره مصنوعه ولا فضل لنقاش لا يمس محل النزاع. حين يغيب الانصاف لا تتضرر المسائل وحدها بل تتضرر النفوس وتفسد العلاقات وتضيع الثقه ويغلق باب النصيحه. ويكبر الخلاف الصغير ويتحول الاجتهاد المحدود الى معركه ويستدعى التاريخ وتستحضر النوايا وينسى الحق الذي كان ينبغي ان يطلب. وفي هذا المناخ يتقدم الصخب ويتاخر الفهم ويعلو الصوت ويخفت العقل وتضيع المقاصد الكبرى في زحمه الانتصار للجزئيات. الانصاف هو طريق الائتلاف وهذا لا يعني التنازل. ليس الانصاف تنازلا عن الحق ولا ميووعه في المواقف كما يتوهم البعض بل هو اقوى وسائل حفظ الحق لان الحق اذا حمل بظلم نقض من داخله. واذا دفع بعدل ثبت في النفوس فالانصاف هو الذي يبقي جسور التواصل قائمه ويمنع الخلاف من التحول الى قطيعه. ويبقي للاخوه الشرعيه حرمتها ولو مع استمرار الاختلاف. به وحده يمكن ان يتحقق الائتلاف دون تمييع والوحده دون الغاء والاختلاف دون عداوه. ان العدل والانصاف ليس زينه للخلاف بل هما شرط بقائه في دائرته الشرعيه. فاذا فقد خرج الخلاف عن حده وصار اداه هدم لا وسيله فهم وصار عبئا على الامه بدل ان يكون ثراء لها. ثم بعد ذلك يتحدث الخازندار رحمه الله عن معاناه اهل العلم من قله الانصاف. مبينا فيه ان اهل العلم لم يكونوا يوما في معزل عن الابتلاء بل كانوا على امتداد تاريخ الامه اكثر الناس تعرضا لسوء الفهم. واشدهم اصطداما بتقلبات الاهواء واقربهم الى ان يطالبوا بما لا يطالب به غيرهم يحملون وزر اجتهادهم ويحاسبون على اقوالهم لا بميزان الدليل بل بميزان الرضا والسخط. وينظر اليهم من خلال موقف واحد او فتوى واحده وكأن اعمارهم العلميه الطويله تمحى بذله هنا او خطا هناك. تمحى بذله محتمله او اجتهاد لم يوافق ذوق الناس. نبه النبي صلى الله عليه وسلم الى خطوره التعامل مع العلماء من هذا المسلك ومع الكبار عموما. فقال ليس منا من لم يجل كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا حقه. ياتي هذا الفصل ليضع ميزانا دقيقا في النظر الى معاناه العلماء مع قله الانصاف ويفرق بين ميزان الحق الذي توزن به الاقوال. وميزان الناس الذي تحاكم به النيات ويبين كيف يؤدي الخلط بين الخطا والاجتهاد الى ظلم بين لا يقف اثره عند العالم المظلوم. بل يمتد ليصيب مسيره العلم وهيبه الشريعه واستقرار المنهج. كما يقرر هذا الفصل اصلا مهما وهو ان العدل مع العلماء لا يعني عصمتهم ولا السكوت عن اخطائهم. بل يعني رد الخطا دون اسقاط ومناقشه القول دون تجريح وحفظ المقام مع بقاء النقد في اطاره العلمي. فبذلك يصان العلم وتحفظ المرجعيه ويسد باب الفوضى ويبقى طريق الائتلاف مفتوحا بعيدا عن الغلو والتفريط. وهذا ما علمنا اياه القران الكريم حين قال: ومن اهل الكتاب من ان تامنه بقنطار يؤده اليك. اذا بين ان من هؤلاء الذين هم اهل الكتاب من اذا وعد وفى واذا قال صدق.
[11:03]وفي قول الله عز وجل: ان الملوك اذا دخلوا قريه افسدوها وجعلوا اعزه اهلها اذله هذا قول الملكه عقب القران بقوله وكذلك يفعلون. صدقها القران فيما قالت، اذا لابد ان نحترم اهل العلم ولابد ان نعرف اقدارهم. ولابد ان نعلم كذلك انهم اذا اجتهدوا فاخطوا فهم عند الله ماجورون. اما نحن فينبغي ان نتقيد بالادب معهم الى هنا نكون قد انتهينا من هذا الفصل. ونكمل ان شاء الله مع هذا الكتاب الماتع فقه الائتلاف للاستاذ الخازندار في الحلقه القادمه نستودعكم الله والسلام عليكم ورحمه الله وبركاته.



