[0:04]الحمد لله الذي جعل الاختلاف سنه من سنن الكون. وشرع الائتلاف رحمه بعباده. فاقام الدين على اصول ثابته. ووسع الفهم باجتهاد مشروع. لييبقى الحق محفوظا وتبقى القلوب مجتمعه غير متدافعه ولا متخاصمه. احمده سبحانه حمدا يليق بجلاله واشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له. جعل الاجتماع قوه والفرقه ضعفا ونهى عن التنازع لما فيه من ذهاب الريح وفساد المقاصد. ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم. واشهد ان سيدنا محمدا عبد الله ورسوله الذي ربى امته على ادب الاختلاف قبل تقرير الاحكام. صلى الله عليه وسلم وعلى اله واصحابه الذين اختلفت افهامهم واتحدت قلوبهم. فكان اختلافهم رحمه وائتلافهم قوه. اما بعد ايها المستمعون الاكارم ان الخلاف في ذاته ليس افه تخشى. ولا التنوع خطرا يتقى. وانما الخطر كل الخطر حين ينقلب الاختلاف من سعه ورحمه الى تنازع وخصومه. وحين تتحول الاراء من مساحات للاجتهاد الى ميادين للتباغض والاقصاء. وفي واقع اسلامي تتكاثر فيه الانقسامات وتضيق فيه الصدور. تبرز الحاجه الى فقه يرد الخلاف الى نصابه ويقيم ميزانا يفرق بين الاختلاف المحمود والتفرق المذموم. ومن هنا جاء هذا الكتاب الذي سنقف معه هذه الحلقات ليؤصل منهجا شرعيا يوازن بين الاختلاف المشروع والائتلاف الواجب دون الغاء للتنوع او تمييع للثوابت. هذا الكتاب لا يدعو الى وحده شكليه ولا الى ذوبان فقهي او فكري. بل الى فقه يحسن اداره الخلاف ويمنعه من التحول الى صراع وتمزق. ويعيد للاختلاف روحه الاخلاقيه ووظيفته الاصلاحيه. وان هذا الطرح لا ينفصل عن الهدي القراني والنبوي. الذي اقر التعدد في الفهم وحرم ان يكون مدخلا للعداوه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم ان الله رفيق يحب الرفق في الامر كله. وبهذا المعنى فان فقه الائتلاف ليس تنظيرا مجردا ولا دعوه مثاليه منفصله عن الواقع. بل هو فقه بناء وجمع يستند الى نص صحيح وتجربه صادقه ووعي عميق بان الدعوه رحمه قبل ان تكون خطابا. وفي هذه الحلقات سنقف مع هذا الكتاب التخصصي الذي يعالج واحده من اخطر ازمات الواقع الاسلامي المعاصر وهي ازمه الخلاف والافتراق. هذا الكتاب هو كتاب فقه الائتلاف قواعد التعامل مع المخالفين بالانصاف. المؤلف فيه لا يدعو الى وحده جامعه شكليه ولا الى ذوبان فقهي او فكري. وانما الى فقه يحسن اداره الخلاف ويمنع من التحول الى صراع وتمزق. يبين المؤلف في هذا الكتاب ان الائتلاف ليس نقيض الاختلاف بل نقيض التنازع والشقاق. وان الاختلاف سنه كونيه وشرعيه اما التفرق فمذموم اذا ادى الى تضاد وتباغض. ويؤكد ان الشريعه اقرت التعدد في الفهم والاجتهاد وحرمت تحويله الى سبب للعداوه او اسقاط للاخر. ويحسن بنا ابتداء كما تعودنا ان نتعرف على مؤلف الكتاب. هو الاستاذ محمود محمد الخازندار رحمه الله. ولد في زمن كانت فيه الخريطه تعاد رسمها بالدم. وكانت فلسطين تقتلع من جذورها اقتلاعا. فقد خرجت اسرته من ارضها بعد نكبه سنه 48. خرجت لا تحمل معها الا الذكريات وبعض الحنين وكثيرا من الجراح الصامته. استقرت الرحله الاولى له في مدينه جبله السوريه. وهناك في المنفى المبكر ولد الاستاذ الخازندار سنه 1952. كانما قدر له منذ اللحظه الاولى ان يعرف معنى الغربه قبل ان يعرف معنى الوطن. لم تكد تمر خمس سنوات حتى فقد والده فدخل عالم اليتم صغيرا. يحمل قلبا اكبر من سنه ومسؤوليه اثقل من جسده. غير ان اليتم لم يكن انكسارا بل كان دفعا خفيا الى التعلق بما لا يزول. فكان القران هو الحضن الاول والمحضن المبكر والرفيق واليقين الذي لا يرحل. في مسجد زيد ابن ثابت رضي الله عنه بدمشق بدات الرحله الحقيقيه للكاتب. هناك تشكلت ملامح الروح قبل ملامح العقل حفظ القران الكريم وتلقى مبادئ العلوم الشرعيه وهو لم يكمل بعد الصف الثاني الاعدادي. لم يكن العلم عند الاستاذ الخازندار طرفا ذهنيا بل كان ضروره وجود ومفتاحا لفهم هذا العالم المضطرب. كبر الفتى وكبر معه الهم فصعد المنابر في مساجد دمشق خطيبا لا صاخبا ولا متكلفا بل هادئا يزن كلماته ويخاطب القلوب قبل العقول كان يدرك ان الدعوه ليست غلبه وانما هدايه. وان الكلمه ان خرجت من قلب صادق وجد طريقا الى قلوب اخرى ولو بعد حين. ومع انشغاله بالدعوه لم يهمل التكوين العلمي فالتحق بجامعه دمشق في كليه اللغه العربيه. لان اللغه عنده لم تكن اداه بيان فحسب بل هي وعاء الفكره وجسر المعنى ومفتاح التاثير. تخرج في الجامعه سنه 79 وقد ازدادت رؤيته اتساعا وصار اكثر وعيا بعلاقه الكلمه بالفكر وعلاقه الفكر بالواقع. في سنه 1981 شد الرحال مع اهله الى الخليج مدرسا. يحمل رسالته في حقيبه صغيره ويوقن ان العلم حيثما وضع اثمر. ثم كانت الرحله الابعد الى بيشاور في باكستان سنه 84. حيث امتزجت الدعوه بالعلم والواقع بالنص فانجز درجه الماجستير في اللغه العربيه من جامعه البنجاب في العام نفسه. هناك في تلك البيئه المشحونه بالقضايا الكبرى ازداد وعي الاستاذ الخازندار بان الاسلام ليس جدلا نظريه وانما هو مشروع اخلاقي وحضاري. سجل بعد ذلك درجه الدكتوراه في جامعه السند وشرع في العمل عليها غير ان قلبه كان معلقا بالناس لا بالالقاب وبالارشاد لا بالشهادات فغلبه العمل الدعوي وشغلته هموم الاصلاح عن اتمام المسلك الاكاديمي. فاختار ان يبقى في الميدان حيث تختبر الافكار. في قطر تحديدا وفي مدارسها قضى سنوات طويله من عمره من سنه 93 الى سنه 2000. كان مربيا قبل ان يكون معلما يغرس المعنى قبل المعلومه ويهتم بتزكيه النفوس بقدر اهتمامه بتقويم الالسنه. اما اخلاقه فكانت امتدادا طبيعيا لفكره فقد عرف بعفه اللسان. فهو لا يغتاب ولا يشهر ولا يسقط الناس بذله وقعوا فيها. كان يرى الخطا خطا لكنه لا يرى المخطئ عدوا يذكر الناس بالخير ويقارب في النصح ويعفو عمن ظلمه. كانما كان يحمل في قلبه يقينا عميقا بان الاصلاح لا يولد من القسوه وان الحق لا يحتاج الى فظاظه ليبقى حقا. كان وفيا لاحبابه لا يقطع خيط الود ولا ينسى العشره ولا يتخلى عن اصحابه في الشدائد وهي خصله نادره لا يكتسبها الانسان من الكتب وانما من صفاء القلب وصدق المعامله مع الله. ومن هذا المعين الاخلاقي خرجت كتبه فكتب هذه اخلاقنا حين نكون مؤمنين حقا. لا بوصفه تنظيرا مثاليا بل شهاده حياه. ثم بعد ذلك كتب كتابه فقه الائتلاف لا ليدعو الناس الى تمييع الخلاف بل ليضبطه ولا ليلغي التنوع بل يمنع تحوله الى خصومه وتمزق. كتب عما عاشه لا عما تخيله. وفي صبيحه يوم الثلاثاء الثالث من شوال سنه 1422 الموافق 2000 من الميلاد اسلم الروح بهدوء كما عاش هادئا. لم يخلف ضجيجا ولا ترك وراءه معارك وانما ترك اثرا ناعما عميقا كالماء اذا تسلل الى الارض فاحياها دون ان يحدث ضوضاء. رحمه الله رحمه واسعه وجعل ما كتب وما قال وما عاش في ميزان حسناته. وجعل اثره باقيا فيمن تعلموا منه ان الائتلاف خلق قبل ان يكون فقها وان الدعوه رحمه قبل ان تكون تكليفا خطابيا. وهنا نقف عند الباب الاول من هذا الكتاب الماتع وهذا الباب يعالج فيه قضيه خطيره هي بمثابه الامتداد الفكري للكتاب كله. وهذا ما سنناقشه ان شاء الله في الحلقه القادمه نستودعكم الله والسلام عليكم ورحمه الله وبركاته.

8 - كتاب فقه الائتلاف: قواعد التعامل مع المخالفين بالإنصاف | كاتب وكتاب
إذاعة صوت الإسلام- Sout Alislam Radio
12m 20s1,065 words~6 min read
Auto-Generated
Watch on YouTube
Share
MORE TRANSCRIPTS


