[0:04]الحمد لله الذي خلق العقول متفاوته وجعل الاختلاف في الافهام سنه جاريه وجعل الائتلاف في القلوب فريضه باقيه واشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له امر بالاعتصام ونهى عن التنازع وجعل العدل ميزانا في القول والحكم واشهد ان سيدنا محمدا عبده ورسوله الذي علم امته ادب الخلاف قبل فقهه ورباها على سعه الصدر وحسن القصد ولزوم الجماعه صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى اله واصحابه ومن سار على نهجهم الى يوم الدين اما بعد فلا زلنا نعيش مع كتاب فقه الائتلاف للاستاذ الخازندار رحمه الله ونذكر بان الخلاف لم يكن يوما شذوذا في مسار الامه ولا عارضا طارئا على تاريخها بل كان جزءا من طبيعتها ومظهرا من مظاهر سعه الشريعه ما دام الخلاف محكوما بقصد صحيح ومنضبطا بمنهج سليم غير انه متى خرج عن حدوده وانفلت من ضوابطه انقلب من رحمه الى فتنه ومن تنوع محمود الى تنازع مذموم يفسد القلوب ويهدم الاخوه ويبدد الجهود وقد حذرنا القران من هذا المسلك فقال ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم لذا بدا الاستاذ هذا الكتاب بهذا الباب مبينا هذا المقصد تحت عنوان بين الخلاف والانصاف ممهدا لفهم دقيق لطبيعه الخلاف يميز بين ما كان منه سنه وسعه وما صار فتنه وبغيا ويكشف جذور الانحراف حين يتجاوز الخلاف ميدان الاجتهاد الى ميدان الهوى وحين يستدعى الدليل لا طلبا للحق بل نصره للنفس او للانتماء كما يضع هذا الباب الاساس المنهجيه لفكره الكتاب كله مبينا ان اخطر ما يهدد الامه ليس اختلاف العقول بل فساد القلوب عند وقوع الاختلاف وان الائتلاف الحق لا يولد من الغاء الخلاف بل من تهذيب النفوس وضبط المنهج والالتزام بعدل الشريعه وحكمتها في هذا الباب عده فصول الفصل الاول الخلاف وانواعه والفصل الثاني العدل والانصاف والفصل الثالث معاناه اهل العلم من قله الانصاف في الفصل الاول يبين المؤلف ان الخلاف لم يكن يوما افه في ذاته ولم تخلق هذه الامه على نمط واحد من العقول والطبائع والمدارك فقد شاء الله ان تتنوع الافهام وان تتعدد مسالك النظر وان يختلف الناس في طرائق الفهم كما يختلفون في الخلق والصوت واللون ولو كان الاتفاق المطلق خيرا محضا لخلقه الله في العقول كما خلقه في الحقائق القطعيه فالبلاء لم يك يوما في وجود الخلاف بل في انقلاب الخلاف عن طبيعته حين خرج من دائره الاجتهاد ودخل ميدان البغي حين لم يعد بحثا عن الحق بل صار صراعا عليه ولم يعد اختلاف نظر بل خصومه نفوس فكم من خلاف رفع فيه اسم الدليل وكان الدافع هو الهوى وكم من نزاع استدعي فيه النص وكان الباعث هو الغضب للنفس او لانتمائي للحزب او للمكانه وهنا يبدا الخلاف يفقد بركته ويصير سما يسري في جسد الجماعه فيمزق وحدتها ويفسد قلوبها ويسقط هيبه علمها ان اكثر ما تعانيه الامه من خلافاتها ليس ناشئا عن غموض الحق بل عن سوء القصد في طلبه فالحق في كثير من المواطن بين ولكن النفوس اذا تلبست بالبغي عميت عنه ولو كان في وضوح الشمس وحينها لا يعود الخلاف اجتهادا بل يصبح ستارا يخفي خلفه التعصب ويبرر به التنازع وتسوغ باسمه القطيعة ومن هنا فان فساد الخلاف لا يقع عند حدود المساله المختلف فيها بل يتعداها الى اثار خطيره اذ تستباح الاعراض وتجزا الاخوه ويتهم القصد ويجرا الجهال على اهل العلم ويقدم الصخب على الفهم والحجه على الحكمه لم يكن هذا المسلك يوما من منهج الائمه الكبار ولا من طرائق اهل العلم الراسخين فما دعا امام معتبر الى ان يقدم قوله على الدليل ولا ان يتبع على غير بصيره ولا ان تحمل كلماته فوق ما تحتمل وانما جاءت الفتنه من اتباع اساؤوا الفهم او غلب عليهم التقليد او خلطوا بين تعظيم الائمه والتعصب لهم فمنهم من جعل قول الامام دليلا قائما بذاته لا يراجع ولا يناقش ومنهم من اخذ من كلامه ما وافق هواه وطرق صريحه اذا خالفه ومنهم من حمل الفاظه لوازم لم يردها ثم نسبها اليه ظلما وجورا وكل ذلك انحراف عن منهج الائمه لم امتداد له وهنا يفرق الميزان الدقيق بين نوعين من الخلاف خلاف في الحق وهو اختلاف سائغ في مسائل الاجتهاد مع وحده المنهج وسلامه القصد وبقاء الالفه وخلاف في المنهج وهو اخطر واعمق لانه يضرب اصول النظر ويشوه قواعد الفهم ويفسد طريقه الاستدلال نفسها وحين يخلط بين هذين النوعين تتشوش الاحكام ويساء تنزيل النصوص ويعامل الخلاف الاجتهادي معامله الانحراف العقدي فتقع القطيعة حيث كان ينبغي ان تكون السعه ويقع التنافر حيث كان ينبغي ان يكون التراحم ان الرد على المخالف في ذاته حق مشروع كما بين الاستاذ الخازندار بل بين كذلك انه قد يكون واجبا ولكنه ككل حق مقيد بالعدل فان خرج الرد من نفس صادقه قصدت البيان والتزمت الانصاف وادركت المالات كان نصره للحق اما اذا خرج من نفس متعجله او قلب ملوث بالهوى عاد ضرره على الحق اعظم من نفعه وليس كل موطن يحمد فيه الكلام فكم من صمت كان اصدق من خطاب وكم من رد اشعل فتنه ولو سكت عنه لانطفت والفقه الحق هو ان يعرف متى يقال ومتى يترك القول ومتى يكون السكوت عباده وهكذا يمهد هذا الفصل لفكره اصيله وهي ان الائتلاف لا يولد من الغاء الخلاف بل من تهذيب النفوس عند وقوعه وان اخطر ما يهدد الامه ليس اختلاف العقول بل الفساد بين الاستاذ الخازندار انواع الفساد المترتبه على التنازع حين يستحكم في النفوس لا يقف اثره عند حدود المساله المختلف فيه بل يمتد ليصيب القلوب والعلاقات والمناهج فتستباح الاعراض باسم الغيره على الدين ويسقط المخالف باسم حمايه السنه وتستبدل الاخوه بالعداوه والنصيحه بالتشهير وفي هذا الجو تضعف هيبه العلم ويتقدم الجهال ويتهم القصد ويغيب ميزان العدل ويصبح الخلاف بابا للفرقه لا بابا للاثراء ومصدرا للفتنه لا سبيلا للفهم ولم يكن هذا المسلك يوما من منهج الائمه ولا من طرائق العلماء الراسخين فما دعا امام معتبر الى ان يتبع قوله بغير دليل ولا الى ان يقدم على النص ولا الى ان يحمل كلامه ما لا يحتمل ولكن الانحراف وقع من بعض الاتباع فمنهم من جعل قول الامام دليلا قائما بذاته ومنهم من اخذ من كلامه ما وافق هواه وترك صريحه ومنهم من فهم كلامه على غير مراده ثم نسب ذلك الفهم اليه وهكذا تحول التعظيم المشروع الى تعصب مذموم وصار الامام ستارا يخفي خلفه الخطا ويدافع به عن الباطل وهو بريء من ذلك الى هنا ننتهي من الحديث عن هذا الفصل ونكمل ان شاء الله تعالى بقي الحديث عن الفصول الاخرى في الحلقه القادمه نستودعكم الله تعالى والسلام عليكم ورحمه الله وبركاته

9 - باب بين الخلاف والإنصاف | كاتب وكتاب
إذاعة صوت الإسلام- Sout Alislam Radio
14m 9s995 words~5 min read
Auto-Generated
Watch on YouTube
Share
MORE TRANSCRIPTS


