[0:01]كان أكبر البلاد العربية والإفريقية، كان يلقب بسلة الوطن العربي الغذائية. كان أرض الحضارة والتاريخ والتراث، وكان واحداً موحداً. وكل هذه العبارات التي بدأت بالكان جعلت من السودان أرض النسيان. وهنا قصة هذا البلد، وكل ما تود معرفته عنه.
[0:29]جرت العادة حين تحكي قصة بلد ما أو حدث ما أو شخص ما، أن تبدأ سرد القصة من بداياتها. لكن ودون مبالغة ليس للسودان بداية، فهو سابقها. ومن على أرضه كانت كل البدايات أو انطلقت. ولكي لا يكون كلامنا عن تاريخ السودان نثراً، دعونا نحدثكم عنه بالأرقام. فبلاد السودانيين يعتقد أنها واحدة من الأراضي التي سكنها الإنسان الأول إلى جانب إثيوبيا وبلاد إفريقية أخرى. حيث ليس ببعيد عن أرضه اكتشفت أقدم حفريات الإنسان الأول والمعروف باسم أومو واحد. وتعود إلى أكثر من 200 ألف سنة للوراء على أقل تقدير، وهي الحفرية التي تم اكتشافها في إثيوبيا ستينيات القرن العشرين. ويعتقد أن هذا الجنس من البشر لم تنحصر حياته فقط في إثيوبيا، بل كانت تعم المنطقة كلها ومنها أراضي السودان. وهنا الحديث عما قبل التاريخ، ولكن إذا انطلقنا للحديث عما بعده، فيمكن القول أن أول حضارة نشأت في السودان كانت قبل 10 آلاف عام. حيث اكتشفت جماجم تعود لبشر متحضّرين، سكنوا منطقة الخرطوم الحالية. كما عثر على جمجمة أخرى في ولاية النيل الأزرق، تعود إلى تلك الفترة. وبالأسماء فإن أولى حضاراته القديمة كانت تعرف باسم مملكة كرمه، والتي يقول العلماء إنها من الأقدم في التاريخ. وهي ذاتها مملكة كوش النوبية، التي كانت عاصمة الكوشيين وتقع شمال السودان، وقيل أنها بنيت قبل 10 آلاف عام. بينما ازدهرت كحضارة قبل 4000 عام. كما تضم السودان وبالقرب من مدينة كرمه مدينة أخرى من الأقدم أيضاً وهي مدينة مروي، التي كانت عاصمة السودان في عصور ما قبل الميلاد. وحكامها هؤلاء يعتقد أنهم ملوك مصر كفراعنة الأسرة الـ25. وقد ورد اسم كوش في عديد المراجع التاريخية وحتى الكتب المقدسة، كواحدة من الممالك القوية في تلك العصور، قبل أن تندثر لاحقاً. وعقب الميلاد بعد أن بدأ الغزو المسيحي الروماني للبلاد، والذي أدخلها رفقة مصر وإثيوبيا إلى حاضنة الإمبراطورية الرومانية المسيحية. وظلوا على هذا حتى قدوم الفتح الإسلامي زمن الخليفة عثمان بن عفان. وبالتزامن مع دخول مصر إلى الإسلام أو دخول الإسلام إلى مصر، لاحقاً ومع ضعف الدولة الإسلامية المركزية في بغداد، ستنشأ عدة ممالك إسلامية في السودان. كان منها السلطنة الزرقاء وعاصمتها سنار، وسلطنة الفور وعاصمتها الفاشر، ومملكة تجالي في النوبة، وممالك أخرى عديدة. وظلت هكذا متفرقة حتى أرسل محمد علي باشا حاكم مصر عام 1821 حملته العسكرية لإخضاع ممالك السودان بقيادة نجله إسماعيل باشا. وباتت السودان مملكة تابعة لأسرته، لكن ذلك لن يدوم طويلاً. خاصة بفعل الظلم والتهميش الذي عانى منه السودانيون زمن حكم أسرة محمد علي باشا، فاندلعت العام 1881 ثورة عرفت بالثورة المهدية. وتمكنت من تحرير الخرطوم التي باتت عاصمة الدولة المهدية، لكنها عادت وانهارت العام 1898 على يد القوات البريطانية والمصرية. لتعود جزءاً من مملكة مصر والسودان، لكن بحكم أن مصر كانت تحت الوصاية الإنجليزية، سقطت السودان بيد الاستعمار الإنجليزي. وإن ظلت شكلياً تتبع للقاهرة، لكن من كان يحكمها رجل إنجليزي تعينه بريطانيا العظمى آنذاك. وإبان حكم الإنجليز، بدأت مشكلة الجنوب في بلاد السودانيين، حيث كان الشمال أكثر تطوراً وإمكانيات، كما كان غالبه من المسلمين. في حين كان الجنوب أقل حظاً من التعليم والتطور وغالبيته من المسيحيين. ولأن بريطانيا دشنت منهج حكمها وفق مقولة فرق تسد، ترددت كثيراً في حل تلك المشكلة، بل سعت لتأكيدها. ولكنها أيضاً لم تسمح بانفصال الجنوب كلياً، بل أبقته يتبع الخرطوم وأبقت كليهما يتبعان القاهرة. لكن ظلت نزعة السودانيين نحو الاستقلال قائمة، وناضلوا كثيراً لتحقيق ذلك. حتى قفز من يعرفون بالضباط الأحرار للحكم في القاهرة بعد خلع الملكية من مصر، حينها جرت اتفاقات مع الإنجليز. يتم بموجبها منح السودانيين حق تقرير المصير، وهذا ما جرى لاحقاً العام 1955. حين أجرى السودانيون استفتاء بموجبه أصبحوا دولة مستقلة ورحل عنها الإنجليز. كما في ذات العام كانت قد جرت أولى الحروب الأهلية مع الجنوب، ولكن تم وأدها سريعاً. ليأتي تاريخ الـ1 من يناير من العام 1956 ليشهد على ولادة السودان المستقل. وفي ذات العام سيصبح السودان بلداً عضواً في الجامعة العربية وأيضاً في الأمم المتحدة، لكن السودان الجديد ولد مثقلاً بالمشكلات. كان على رأسها مشكلة الجنوب التي ستكبر أكثر وتتفاقم، وأيضاً معضلة التنمية التي لأجلها ثار السودانيون على كل من حكمهم. ومع هذه المشكلات مشكلة أخرى تتعلق بالصراعات الأيديولوجية والفكرية. حيث ساد السودان تيارات عدة متناحرة كان أبرزها تيار الصوفيين أو من يمثلهم وهو حزب الأمة، بالإضافة لحزب آخر كان يعرف بحزب الأشقاء. ولاحقاً أصبح الحزب الوطني الاتحادي، ومعهم اليساريون وما يضمون من قوميين وناصريين وشيوعيين. ولاحقاً سينمو تيار ثالث هو الإخوان المسلمون، بالإضافة لمكوناتها القبلية التي ستفتك به لاحقاً. وهؤلاء جميعهم سيختصمون بعد الاستقلال ولن ينجحوا بإدارة البلاد. ما أعطى مبرراً للجيش للانقضاض على السلطة تحت قيادة الجنرال إبراهيم عبود. الذي لم يكن انقلابه تقليدياً، فهو غالباً تسلم السلطة من رئيس الوزراء آنذاك عبدالله خليل بعد أن استعصى جمع شمل الفرقاء. وكان ذلك عقب الاستقلال بسنتين، أي العام 1958. ومع وصول عبود للحكم مباشرة، ألغى الجنرال العمل بالدستور وألغى البرلمان وجمد الأحزاب السياسية. ولكنه أنجز تحديثات اقتصادية سريعة جعلت له في السنوات الأولى قبولاً شعبياً، قبل أن يتحول إلى دكتاتور لا يقبل المعارضة. وليرتكب أحد أكبر الخطايا في تاريخ السودان، والمتمثلة بإشعال فتيل الجنوب أكثر. حين بدأ سياسة تمثلت بإجبار الجنوبيين على اعتناق الإسلام والتحدث بالعربية، ما أحيا نوازع الانفصال لدى الجنوبيين أكثر. وجعل حركات تمرد تؤمن بالقوة تولد، وكان أبرزها حركة أنيانيا وذلك مطلع ستينيات القرن العشرين. وهذا كله أدخل البلاد المتأزمة بأزمة دفعت العام 1964 إلى ولادة أول ثورة شعبية سلمية في إفريقيا والعالم العربي. أجبرت عبود على التنحي وتسليم السلطة للمدنيين، وعرفت بثورة أكتوبر 1964. ليقود بعدها شخصية سودانية الحكومة الانتقالية يدعى سر الخاتم خليفة. والذي مهد لانتخابات ديمقراطية في السودان تكررت بها مأساة ما قبل الاستقلال، حيث اختلف الجميع ولم يعرفوا سبيلاً للاتفاق. ما أوصل السودان بعد أربعة أعوام إلى مرحلة جديدة العام 1969، أعادت للجيش السلطة عبر انقلاب أنجزه الجنرال جعفر نميري. والذي سيحكم أطول من سلفه الجنرال عبود، وخلال سنوات حكمه الأولى فعل كغيره من حكام السودان. حيث أعلن قربه من الشعب ومن الجنوب حتى، حين أعلن العام 1972 اتفاقاً بموجبه سيمنح الجنوب حكماً ذاتياً. لكنه عاد وانقلب عليه العام 1983، وألغى ترتيبات الحكم الذاتي للجنوب. لتدخل السودان أتون حرب أهلية قاسية بعد إعلان التمرد من قوات الجنوب بقيادة الحركة الشعبية لتحرير السودان وجناحها المسلحة الجيش الشعبي لتحرير السودان. حرب ستستمر طيلة 22 عاماً، ستأتي على كل شيء. ومع بدايتها أيضاً ثار السودانيون مجدداً على النميري بانتفاضة كاسحة العام 1985. أجبرت المشير سوار الذهب قائد الجيش آنذاك للانقلاب على النميري، ولكن سوار الذهب بخلاف غيره من الجنرالات أوفى بعهده بنقل السلطة للمدنيين. وفعلاً انتقلت بعدها بعام السلطة إلى حكومة حزب الأمة تحت قيادة الصادق المهدي، لكن ذلك لن يدوم طويلاً أيضاً. حيث حدث أمر لا يتكرر كثيراً، إذ لأول مرة سيتحالف الجيش مع جماعة الإخوان. وينجزون انقلاباً على الديمقراطية العام 1989، قاده كل من قائد الجيش آنذاك عمر البشير وزعيم حركة الإخوان حسن الترابي. ليستبد البشير بالحكم وينقلب على الترابي فيما بعد، ويستأثر هو بحكم البلاد وجماعة الإخوان. وليبدأ عصر جديد في السودان، حيث تنبه البشير لأخطاء أسلافه من الجنرالات في الحكم. فقام الرجل بوأد أي فكرة انقلابية، كما استمر في إشعال حرب الجنوب، بل وأشعل معها حروباً أخرى في أطراف أخرى من البلاد على رأسها دارفور. وهناك اندلعت حرب أهلية أخرى بدأت جذورها العام 1991، ولكنها اشتعلت رسمياً العام 2003. ومع اندلاعها ستجري أحداث كثيرة وعديدة، منها سيصبح عمر البشير بحكم المحكمة الدولية مجرم حرب. وسيولد أيضاً فصيل سيكون له التأثير على مستقبل السودان، والحديث هنا عما يعرف بقوات الدعم السريع. التي بدأت كميليشيا تقاتل لصالح الحكومة في دارفور، ثم ستتحول بعد الحرب إلى قوة رديفة للجيش. وهدفها البطش بمعارضي البشير. وقبل أن نكمل القصة، لا بد من التوقف قليلاً هنا للحديث عما وصل إليه السودان في تلك الفترة، والآثار التي خلفتها السياسة والتي عصفت باقتصاد البلاد ونسيجه المجتمعي. ودعونا بداية نحكي لكم ما خلفته حرب الجنوب، فقد أفقدت أرواح قرابة مليون ونصف مليون إنسان من الطرفين. وساهمت بنزوح وتهجير قرابة 4 ملايين، كما استنزفت خزائن الطرفين، وكانت سبباً مباشراً في حدوث مجاعة السودان العام 1993. وهي المجاعة التي خلفت عشرات الآلاف من الموتى جوعاً، وهي ذاتها المجاعة صاحبة الصورة الشهيرة الفتاة والنسر. والتي التقطها المصور الصحفي الجنوب إفريقي كيفين كارتر، والذي انتحر بعدها. وهي صورة طفلة سودانية أوشكت على الموت جوعاً، وكان النسر بانتظار أن تلفظ أنفاسها الأخيرة لينقض عليها. صورة لخصت ما آلت إليه أحوال البلاد آنذاك، ولم تكن هذه المجاعة الوحيدة زمن البشير. فعام 1998 حدثت مجاعة أخرى هزت العالم كله، وأسفرت عن موت قرابة 70 ألف إنسان من الجوع. ولأن المآسي لا تتوقف في بلد المآسي، كانت قد جرت حرب دارفور التي خلفت وفق التقديرات ضحايا بين 300 ألف و500 ألف إنسان. بالإضافة إلى أضعافهم من المشردين والمهجرين والجوعى، وأيضاً وبالرغم من هذا كله انفصل الجنوب وأعلن استقلاله العام 2011. وظل البشير حاكم البلاد حتى أنجز السودانيون ثورة شعبية عليه العام 2019، أطاحت به من الحكم. لكنها تركت البلاد على أعتاب معضلة جديدة ومتكررة، وهي ثنائية العسكر والمدنيين. مضافاً إليها هذه المرة ثنائية أخرى داخل العسكر أنفسهم. حيث مع إزالة البشير من الحكم، كان المسلحون في البلاد ينقسمون إلى الجيش السوداني التقليدي وقوات الدعم السريع. وهؤلاء الاثنان انقلبا على المسار الديمقراطي المدني الذي ولد بعد الإطاحة بالبشير، ثم عاد لينقلبان على أنفسهما ويضعان البلاد على مفترق طرق جديد. وكان السودان بات مكتوباً عليه ألا يستقر وألا ينعم أهله بالاطمئنان. وهو البلد الذي ولدت منه الحضارة، حتى أنه تفوق على مصر موطن الفراعنة الأصلي بعدد الأهرامات. إذ يضم أكثر من 200 هرم، وكثير من مدنه تدرجها اليونسكو على قائمة التراث العالمي. وكان من الممكن أن تكون قبلة السياح في العالم ومصدر جذب لرؤوس الأموال، لكن ليست هذه الثروة الوحيدة التي قد يبكي عليها السودانيون. والتي بددها سياسيوه، فالسودان بلد الثروات، وهنا سنحدثكم عن أرقام كانت لتجعل السودان بلداً آخر. والبداية من سلة غذاء العرب، والتي اعتبرت سلة مثقوبة. حيث وفق تقرير لمؤسسة جولدن ساكس الأمريكية، فإن السودان في المركز الأول عالمياً في قائمة الدول التي تمتلك أراضي زراعية غير مستغلة. وذلك بمساحة تزيد عن 80 مليون فدان، وإليكم النتيجة الصادمة. حيث وفق التقرير لو استغل السودان هذه الأراضي فإنه سيحول اقتصاده إلى أكبر اقتصاد زراعي في العالم أجمع. أما الصدمة الأخرى، فإن السودان يستورد 50% من حاجته من القمح، وهو الذي لو زرع لأطعم الجميع. كما يعتبر السودان موطن الماشية في العالم، إذ يحتكم على قرابة 150 مليون رأس من الماشية، أي نحو أربعة أضعاف ما تملكه بلاد مثلهولندا. والتي تعتبر أبرز مصدرة للحوم، ولك أن تتخيل أن كل هذه الأرقام من الماشية موجودة في بلد مات أهله جوعاً. أما عن الثروات الأخرى، فهي النفط الذي يجعل السودان ثالث أكبر مصدر له في القارة الإفريقية بعد نيجيريا وأنجولا. ولك أن تتساءل أين تذهب هذه الصادرات؟ وبجانب الذهب الأسود، يعتبر السودان أيضاً ثالث أكبر منتج للذهب الحقيقي في القارة السمراء خلف جنوب إفريقيا وغانا. وهو التاسع على مستوى العالم، ولكن إليك صدمة أخرى. أكثر من نصف الذهب المستخرج في السودان يتم تهريبه للخارج دون أن يدر فلساً واحداً على جيوب السودانيين. هذا بغير المعادن الأخرى التي تعج في أرض السودان، كالنحاس والحديد والكروم والمنجنيز والجبس والرخام والحجر الجيري واليورانيوم والميكا. هي ثروات مهدورة في بلاد مقهورة، يتجاوز عدد سكانه الـ45 مليون نسمة. وكان ذات يوم أكبر بلد عربي وإفريقي قبل أن ينقسم إلى شمال وجنوب. وكان أيضاً ليكون أغنى البلاد العربية والإفريقية قبل أن يتصارع السياسيون فيه والمسلحون من جيش وميليشيات، وقبل أن يتحول الاختلاف فيه إلى خلاف. فالسودان بلد متنوع العرقيات والإثنيات وحتى اللغات، وإن كانت لغته الرسمية هي العربية. فهو بجانبها يتحدث أهله قرابة 114 لغة أصلية، تنقسم إلى أكثر من 500 لهجة. أنجبت تمايزاً ثقافياً وفكرياً متنوعاً، كان بإمكانه أي هذا التنوع الثقافي أن يكون رافعة للسودان وسبباً في إثرائه. لكن ما جرى كان العكس تماماً، حيث صار ذلك سبباً في حرمانه من الاستقرار، وسبباً في انقسامه على نفسه وانكفائه لسنوات، حتى تحول إلى بلد منسي.



