[0:00]تخيل ان هناك نوعا من المعرفه لا تجدها بين صفحات الكتب، ولا تسمعها في قاعات الدرس، بل معرفه تضيء من الداخل، وتكتب في القلب مباشره. معرفه حين تلمسها تصبح اقرب الى حقيقتك. اليوم سنغوص معا في هذا السر العجيب الذي سماه العارفون العرفان. وسنقترب منه من خلال حياه وكلمات احد اعظم اركان الاسلام، الامام علي بن ابي طالب. ولكي نمهد الطريق استمعوا الى اجمل ما قاله. رأيت ربي بعين قلبي فقلت لا شك انت انت، انت الذي حزت كل اين بحيث لا اين ثم انت، فليس للاين منك اين فيعلم الاين اين انت، وليس للوهم فيك وهم فيعلم الوهم كيف انت، احطت علما بكل شيء فكل شيء اراه انت، وفي فنائي فناء فنائي، وفي فنائي وجدت انت. لم يكن يصف مجرد افعال، بل كان يشير الى حاله باطنيه، نقاء داخلي وانسجام كامل مع الحق. وهذا بالضبط هو جوهر المعرفه التي سنحاول لمسها هنا. لكن قبل ان نلج في اعماق هذه المعرفه المجرده، من هو الامام علي؟ ولماذا يحتل هذه المكانه الفريده في قلوب المسلمين شرقا وغربا؟
[1:53]تاملوا هذا عند اهل السنه هو اخر الخلفاء الراشدين، وعند اهل الشيعه هو اول الائمه الوصي الطاهر للخاتم النبي. اما عند اهل الصوفيه فهو الينبوع الذي تنحدر منه معظم سلاسلهم الروحيه. فشيوخ كبار مثل الهجويري راوا فيه المرشد الكامل جامع العلم والعمل المثال الاعلى للعارف السالك. لكن هناك فارق جوهري، فالامام علي لم يكن سيدا في التنظير والمعرفه العقليه وحسب، بل كان سيدا في الممارسه والصبر على البلاء. لقد عاش الطريق فكرا وروحا علما وذوقا. واذا اردنا ان نفهم سر العرفان عند الامام علي، فلا بد ان نعود الى بداياته. ولد علي بن ابي طالب في لحظه استثنائيه لم يشهدها احد قبله ولا بعده، اذ كانت امه فاطمه بنت اسد تطوف بالبيت الحرام، فاخذها المخاض وانشق جدار الكعبه ليدخلها النور وتضع داخلها وليدها الطاهر. فكان علي اول واخر انسان يولد في بيت الله الحرام. كان القدر اراد ان يعلن منذ اللحظه الاولى ان لهذا المولود شانا خاصا وان حياته ستكون مطبوعه بختم الهي. نشا علي في كنف النبي محمد صلى الله عليه واله وسلم منذ طفولته كان يبيت في بيت النبوه يسمع الكلمات الاولى للوحي ويشرب من عين الصدق والطهر. لم يكن مجرد قريب او ابن عم، بل كان اقرب التلاميذ واخلص الصحابه. حتى قال لقد كنت اتبعه اتباع الفصيل اثر امه يرفع لي في كل يوم من اخلاقه علما ويامرني بالاقتداء به. وحين نزل الاسلام كان علي اول الفتيان ايمانا به واول من صلى خلف رسول الله صلى الله عليه واله وسلم. وفي كل معركه وفي كل موقف يحتاج الى ثبات وشجاعه كان هو السيف الذي لا ينثني والدرع الذي لا يتراجع. لكن اعظم ما ميزه انه لم يكن فقط فارسا لا يهزم ولا عالما لا يجارى، بل كان قلبا عارفا بالله. لا يرى في الجهاد والسياسه والقياده الا طريقا الى وجه الله تعالى. يصفه الشاعر فريد الدين العطار بصوره مدهشه، درع بلا ظهر تخيلوا ذلك لماذا؟ لان مجرد التفكير في التراجع او الالتفات الى الوراء لم يكن واردا في قاموسه. لم يكن سلاحه من حديد، بل من يقين لا يتزعزع بالله. وقد لخص الامام علي هذا المعنى حين قال: لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا. هذا اليقين العميق الذي لا يتاثر بالظروف ولا تهزه المحن. اذا ما هو هذا العرفان الذي كان الامام علي سيده واستاذ؟ انه ليس مجرد معلومات او اخبار بل معرفه مباشره وذوقيه بالحق تعالى. معرفه تشبه ما كان يسميه الاغريق قديما الغنوسيه اي المعرفه الكشفيه. والاجمل ان كلمه عرفان تشير في ان واحد الى الغايه حاله المعرفه العميقه بالله والى الطريق الروحي الطويل الذي يجب ان يسلك للوصول اليها. الفلسفه الاسلاميه تحدثت عن نوعين من المعرفه. الاول هو العلم الكسبي كان تقرا في كتاب ان السكر حلو نعم تفهم الفكره. لكن الثاني اعمق بكثير، انه العلم الحضوري كان تذوق السكر بنفسك فلا تظن انه حلو بل تعرفه مباشره بكيانك كله. العرفان هو هذا الطريق طريق تذوق الحقيقه الروحيه بدل الاكتفاء بوصفها. وهذا الطريق له جناحان، العرفان النظري وهو بمثابه الخريطه التي تشرح المفاهيم وتؤسس للفكر المستمد من التجارب الروحيه. والعرفان العملي هو السلوك الفعلي ان تضع قدمك في الطريق وتبدا بالسير. الامام علي نفسه جسد هذا المعنى في عبادته. سئل مره: هل ترى ربك حين تعبده؟ فقال كلمته الخالده: أَفَاعْبُدُ مَا لَا أَرَى؟ ثم أوضح انه لا يقصد الرؤيه بالبصر بل بالبصيره اذ قال: لا تُدْرِكُه العيون بمشاهده العيان ولكن تدركه القلوب بحقائق الايمان. وهنا يبرز سؤال تلميذه كميل بن زياد الذي طرق باب الامام باعظم سؤال يمكن ان يسال: ما الحقيقه؟ فكان جواب الامام اشبه بالكشف والاشراق اذ قال: ما لك والحقيقه؟ فقال كميل: اولست صاحب سرك؟ فقال: بلى، ولكن يرشح عليك ما يطفح مني. قال: أو مثلك يخيب سائلا؟ فقال: الحقيقه كشف سبحات الجلال من غير اشاره. قال: زدني بيانا. قال: محو الموهوم وصحو المعلوم. قال: زدني. قال: هتك الستر لغلبه السر. قال: زدني. فقال: نور يلمع من صبح الازل، فيظهر على هياكل التوحيد اثاره. قال: زدني. قال: اطفي المصباح فقد اضاء الصباح. تاملوا هذا الجواب الاخير: اطفي المصباح فقد اضاء الصباح. اي حين تشرق شمس الحقيقه، تغدو كل المصابيح مجرد رموز، المفاهيم الكلمات النظريات. كلها مجرد شموع تهدي الطريق، اما الغايه فهي ان ترى الفجر بنفسك. ولكن ان كانت هذه المعرفه بهذا العمق وهذا الجلال فلماذا توصف كثيرا بانها سريه، باطنيه او حتى خطيره؟ هنا نصل الى ما يمكن ان نسميه طبيعه هذا الارث العصيه. الامام علي نفسه اشار مره الى صدره وقال كلمته المشهوره: انها هنا لعلما جما لو اصبت له حمله. ثم تاسف لان القلوب القادره على حمل هذا النور قليله. ولم يكن في ذلك نزعه نخبويه بل تحذيرا صادقا هذا العلم خطير لانه قد يسااء فهمه بسهوله ان لم يكن العقل والقلب مستعدين له، فيتحول من هدايه الى حيره ومن نور الى التباس. العرفان هو رحله من الظاهر الى الباطن ليس مجرد تامل ساكن بل سلوك يحتاج الى فضائل حيه الى معرفه النفس والى ممارسات روحيه مثل الذكر والتامل. غايته ان يصير الانسان مراه للاسماء الالهيه الرحمه، العدل، الحكمه. وهذا الطريق يدرك ان الناس ليسوا في مستوى واحد، فلكل انسان طاقه مختلفه على تلقي هذه الحقائق. وقد لخص القران هذا المعنى بقوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} سوره البقره - الايه 286. لكن هذا لا يعني ان نكتفي بالحد الادنى او ان نقف عند ظاهر الفرائض من صلاه وصيام وزكاه. نعم هذه هي الاركان وهي الاساس، ولكن القلب المؤمن مدعو دائما لان يخطو اعمق. ان يجعل من صلاته لقاء حيا مع الله ومن صيامه صفاء يطهر روحه ومن ذكره انفاسا تفتح له ابواب القرب، فالمطلوب ليس الاكتفاء بالشكل بل البحث عن الجوهر، ان يتحول الايمان من عاده تؤدى الى حاله تذاق. ويبقى امامنا سؤال اخير وعميق طوال هذه الدقائق كنا نستعمل الكلمات المفاهيم والتشابيه. اي كنا نستنير بالمصباح الذي قال عنه الامام علي اطفي المصباح فقد اضاء الصباح. فاذا كانت الغايه هي ان نبصر الفجر بانفسنا فما وظيفه هذا المصباح اصلا؟ ما دور اللغه في رحله تنتهي بتجاوز اللغه نفسها؟ هنا لا اجد اجمل من ان اترك للشعر الذي نسب الى الامام علي ان يجيبنا ولو قليلا عن هذا السؤال الصعب، فالكلمات قد تعجز. لكن نفس الحكمه حين يتحول الى شعر قد يضيء لنا خيطا من الطريق. ما الفضل الا لاهل العلم انهم على الهدى لمن استهدى ادلاء وقدر كل امرئ ما كان يحسنه وللرجال على الافعال اسماء وضد كل امرئ ما كان يجهله والجاهلون لاهل العلم اعداء وان اتيت بجود من ذوي نسب فان نسبتنا جود وعلياء. ففز بعلم ولا تطلب به بدلا فالناس موتى واهل العلم احياء. وفي النهايه قد تكون الكلمات مجرد مصباح، لكن الفجر الحقيقي ينتظر ان تراه انت بعيني روحك. اذا لامس هذا الحديث قلبك فلا تنسى ان تدعمنا بابتسامه من قلبك على شكل اعجاب وان تشترك في القناه لتكون جزءا من رحلتنا نحو العرفان باذن الله.



