[0:05]في العلم السؤال الصحيح اهم من الاجابه.
[0:15]السؤال هو البوصله التي نكتشف بها المجهول.
[0:25]لنصل الى المعرفه.
[0:34]قبل عصر الانترنت والبريد الالكتروني، حتى قبل التليغراف والتليفون. كان العالم ابطا واكثر عزله، كان توصيل رساله عاجله تحدي حقيقي ممكن يستغرق اسابيع او شهور. لكن على مدى الاف السنين اعتمد البشر على حليف غير متوقع، حليف يملك اجنحه وقدره خارقه على الملاحه. الحمام الزاجل من اكثر من 3000 سنه ادرك المصريين القدماء هذه الموهبه الفريده واستخدموا الحمام لنقل الرسائل عبر مملكتهم. وبعدهم اعتمد الرومان على اسراب الحمامه كشبكه اتصالات عسكريه فعاله. وفي العصور الوسطى كانت قلاع النبلاء وابراج التجار تعتمد على هذه الطيور السريعه لتبادل الاخبار والمعلومات التجاريه. حتى ان جنكيز خان انشا شبكه بريد حمام واسعه امتدت عبر امبراطوريتها الشاسعه. وفي القرن التاسع عشر قبل اختراع التلغراف بنى مؤسس وكاله رويترز للانباء بول رويتر امبراطوريتها الاخباريه باستخدام اسطول من الحمام. لنقل اسعار الاسهم بين بروكسل واخ متفوقا على القطارات. هذا الاعتماد وصل ذروته خلال معارك الحربين العالميه الاولى والثانيه. بزمن كانت فيه الاتصالات اللاسلكيه بدائيه وغير موثوقه. السؤال الان شلون؟ شلون يقدر الحمام يطير من مكان اول مره بحياته يكون فيه ويقدر يرجع لعشه. الجواب مو مجرد غريزه بل مزيج معقد من الحواس الخارقه اللي تتحدى فهمنا وتاخذنا في رحله من بيولوجيا الخليه الى اغرب جوانب فيزياء الكم. اي ملاح يحتاج الى شيئين خريطه تحدد له مكانه وبوصله تحدد له الشمال. الحمام عنده هالشيئين لكن مو بالطريقه اللي نتوقعها يعتمد على عده امور الشمس والمجال المغناطيسي والروائح والمعالم البصريه. خلونا نفهم شلون في الايام المشمسه يستخدم الحمام الشمس كبوصله. ولانه يعرف التوقيت الدقيق خلال اليوم بفضل ساعه بيولوجيه داخليه دقيقه جدا متزامنه مع دوره النهار والليل. يقارن توقيتها بالموقع الفعلي للشمس ويحدد اتجاه الشمال. هذا الامر اثبته العلماء بتجربه ذكيه ربوا حمام في غرف باضاءه صناعيه وعودوه على توقيت خاطئ. يفرق عن التوقيت الحقيقي ست ساعات. لما انطلق الحمام خارج الغرف تحت الشمس الحقيقيه انحرف 90 درجه بالضبط عن المسار الحقيقي. ساعته الداخليه كانت تفرق ربع يوم لذلك اخطا في حساب الاتجاه بنفس النسبه. دليل على ان البوصله الشمسيه تعتمد كليا على هذه الساعه الداخليه الدقيقه. طيب واذا غابت الشمس هني يجي دور الحاسه السادسه الحاسه المغناطيسيه. الحمام عنده نظامين منفصلين لاستشعار المجال المغناطيسي للارض. واحد كانه بوصله احتياطيه والثاني خريطه اساسيه. في الايام الغائمه يعتمد الحمام على بوصله احتياطيه. بوصله كموميه في شبكيه العين. تخليه يشوف المجال المغناطيسي للارض في شبكيه عينه بروتين اسمه كريبتوكروم. لما يمتص الضوء الازرق يبدا تفاعل كمومي الكترونين يدخلون حاله ترابط حساسه للمجال المغناطيسي. وهذا يخلي الحمام يشوف نمط بصري متغير يتبدل مع اتجاه راسه يدله على الشمال والجنوب بصريا. بوصله بصريه تشتغل بالضوء في الايام الغائمه تحل محل البوصله الشمسيه. لكن البوصله بروحها ما تكفي في الجزء العلوي من منقار الحمام اكتشف العلماء بلورات مجهريه من معدن مغناطيسي اسمه الماجنتيت. هذه البلورات المرتبطه بنهايات عصبيه ما تحدد الاتجاه بل تستشعر شده المجال المغناطيسي. شده المجال اقوى عند القطبين واضعف عند خط الاستواء. وهذا التدرج يشكل خريطه مغناطيسيه للكوكب. من خلال استشعار الفروق الدقيقه في قوه المجال يقدر الحمام يحدد خط العرض اللي يتواجد فيه. وبالتالي يعرف اذا كان شمال او جنوب موقعه الاصلي. بالاضافه الى الخريطه المغناطيسيه الحمام عنده خريطه اخرى عجيبه مبنيه على حاسه الشم. هذه الفكره معروفه بفرضيه الملاح الشميه تقترح ان الحمام خلال الاشهر الاولى من حياته وهو في عشه يبني خريطه شميه للعالم من حوله. الرياح اللي تهب من اتجاهات مختلفه تحمل معها روائح مميزه. رائحه البحر من جهه، رائحه غابات صنوبر من جهه اخرى ورائحه مدينه من جهه ثالثه. يربط دماغ الحمام الصغير هذه الروائح المميزه المركبات العضويه المتطايره باتجاه الريح اللي تجيبها. لما يتم اخذ الحمام الى موقع بعيد وغير مالوف يشم الهواء. اذا تعرف على رائحه معينه مرتبطه في ذاكرته بالرياح الغربيه مثلا فانه يستنتج انه الان يقع في مكان شرق عشه. وبالتالي لازم يطير غرب علشان يرجع. طريقه ذكيه لاستخدام الروائح المتطايره في الهواء كاشاره ملاحيه. التجارب اثبتت صحه هذه الفرضيه الى حد كبير. لما عطل العلماء حاسه الشم عند الحمام لقوا انه يواجه صعوبه كبيره في الرجوع لعشه من اماكن غير مالوفه. وفي تجربه ثانيه ربوا حمام في اقفاص تتعرض لرياح تم تحويل اتجاهها صناعيا. بمعنى انهم ربوا الحمام في خريطه شميه معكوسه ولما اطلقوه طار في الاتجاه المعاكس تماما. طيب شلون تتكامل هذه الانظمه مع بعض؟ الظاهر ان الحمام يستخدم استراتيجيه هرميه مرنه. لما يتم اطلقه من مكان بعيد ممكن يستخدم في البدايه خريطته الشميه وخريطته المغناطيسيه بنفس الوقت. علشان يحدد اتجاه عام تقريبي الى عشه. ومجرد ما يبدا في الطيران اذا كانت الشمس مشرقه يعتمد على بوصلته الشمسيه الدقيقه ويحافظ على مساره. اما اذا كان الجو غائم ينتقل بسلاسه الى بوصلته المغناطيسيه الكموميه الموجوده في عيونه. ولما يقرب من مناطق مالوفه على بعد كيلومترات من عشه تبدا حاسه البصر في لعب الدور الاهم. يتعرف الحمام على المعالم البصريه مثل الطرق السريعه والانهار والمباني ويستخدمها كنقاط مرجعيه نهائيا. ويحدد فيها موقع عشه بدقه. الخبره تلعب دور كبير هنا الحمام الاكبر سن والاكثر خبره يكون افضل بكثير في استخدام المعالم البصريه من الطيور الشابه. هذه القدرات ما هي حكر على الحمام. الطيور المهاجره اللي تقطع مسافات ابعد بكثير تستخدم نفس الاليات. طائر مثل الخرشنه القطبيه اللي يهاجر من القطب الشمالي الى القطب الجنوبي يعتمد ايضا على بوصلته الشمسيه والمغناطيسيه. الفرق بس ان الحمام مبرمج للرجوع الى نقطه محدده بينما الطيور المهاجره مبرمجه للتنقل بين مناطق واسعه. الحمام الزاجل اشتغل ساعي بريد عند الفراعنه وموظف شبكه اتصالات حربيه عند الروم والمغول وغيرهم. وكان بطل حرب انقذ الارواح. وفي النهايه ساعدنا في كشف اسرار فيزياء الكم. قدرته الاستثنائيه على الرجوع لعشه ما هي مجرد غريزه بل هي نتيجه تكامل معقد بين انظمه حسيه متطوره. بوصله تشوف قوى غير مرئيه وخريطه حس بتضاريس المجال المغناطيسي وخريطه ثالثه مبنيه على فسيفساء من الروائح. كل هذا في دماغ صغير ما يتجاوز حبه بندق. المره الجايه اذا شفت حمامه تذكر انها ما هي مجرد طير عادي. هذه سليله ارث طويل من الملاحين المحترفين.



