[0:01]ربما تعرف القصة التي يرويها أكثر أهل الأخبار عن مدح همام بن غالب الفرزدق لزين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب بأكثر نسخها اختصاراً.
[0:12]ترد القصة في كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني إذ يقول: حج هشام بن عبد الملك في خلافة الوليد أخيه، ومعه رؤساء أهل الشام.
[0:22]فجهد أن يستلم الحجر فلم يقدر من ازدحام الناس، فنصب له منبر فجلس عليه ينظر إلى الناس.
[0:29]وأقبل علي بن الحسين وهو أحسن الناس وجهاً وأنظفهم ثوبا وأطيبهم رائحة، فطاف بالبيت فلما بلغ الحجر الأسود تنحى الناس كلهم وأخلوا له الحجر ليستلمه هيبة وإجلالا له.
[0:43]فغاظ ذلك هشاما وبلغ منه فقال رجل لهشام: من هذا أصلح الله الأمير؟ قال: لا أعرفه، وكان به عارفا ولكنه خاف أن يرغب فيه أهل الشام ويسمعوا منه.
[0:54]فقال الفرزدق وكان لذلك كله حاضراً: أنا أعرفه فسلني يا شامي، قال: ومن هو؟ قال: هذا الذي تعرف البطحاء وطأته، والبيت يعرفه والحل والحرم، هذا ابن خير عباد الله كلهم.
[1:09]هذا التقي النقي الطاهر العلم، إذا رأته قريش قال قائلها: إلى مكارم هذا ينتهي الكرم، يكاد يمسكه عرفان راحته ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم.
[1:22]فليس قولك من هذا بضائره العرب تعرف من أنكرت والعجم، وربما تعرف أيضا ما روي عنه أنه قدم إلى المدينة وهو صبي.
[1:34]فسأله الحسين بن علي بن أبي طالب: ما خبر الناس في العراق؟ قال: يا ابن رسول الله قلوبهم معك وسيوفهم عليك.
[1:41]ولكنك على الأرجح لم تسمع قصائد الفرزدق في مدح خلفاء بني أمية، وفي كثير منها يذكر سلسلة خلفاء المسلمين منذ أبي بكر الصديق وحتى زمنه.
[1:53]ويحذف منها ذكرى علي بن أبي طالب، فاسمع مثلا قصيدته الرائية: طرقت نوار ودون مطرقها جذب البرا لنواحل صغر يمدح بها سليمان بن عبد الملك بن مروان فيقول فيها:
[2:07]وإلى سليمان الذي سكنت أروى الهضاب به من الذعر، كنا ننادي الله نسأله في الصبح والأسحار والقصر، ألا يميتك أو تكون لنا أنت الإمام ووالي الأمر.
[2:22]يا ابن الخلائف لم نجد أحدا يبقى لحز نوائب الدهر إلا الرواسي وهي كائنة كالعهن وهي سريعة المر، ما قلت إلا الحق تعرفه في القول مرتجلا وفي الشعر.
[2:35]فلقد عززنا بعد ذلتنا بك بعدما نأبى عن القسر، أحييت أنفسنا وقد هلكت وجبرت منا واهي الكسر، إنا لنرجو أن تعيد لنا سنن الخلائف من بني فخر.
[2:50]عثمان إذ ظلموه وانتهكوا دمه صبيحة ليلة النحر، ودعامة الدين التي اعتدلت عمرا وصاحبه أبا بكر، وابني أبي سفيان إذ طلبا عثمان ما باتا على وتر.
[3:04]وأبا أبيك لكل جائحة مروان سيف الدين ذا الأثر، وأباك إذ كشف الإله به عنا العمى وأضاء كالفجر، وأخاك إذ فتح الإله به وأعزه باليمن والنصر.
[3:18]خلفاء قد تركوا فرائضهم فينا وسنة طيب الذكر، تبعوا رسولهم بسنته حتى لقوه وهم على قدر رفقاء متكئين في غرف فرحين فوق أسرة خضر.
[3:32]في ظل من عنت الوجوه له حكم الحك وم ومالك القهر، كذلك لا يذكر الناس مدح الفرزدق للحجاج بن يوسف إذ قال فيه:
[3:42]إذا وعد الحجاج أو هم أسقطت مخافته ما في بطون الحوامل، ولم أر كالحجاج عونا على التقى ولا طالبا يوما طريدة تابل.
[3:55]وما أصبح الحجاج يتلو رعية بسيرة مختال ولا متضائل، وكم من عشي العينين أعمى فؤاده، أقمت وذي رأس عن الحق مائل بسيف به لله تضرب من عصى.
[4:10]على قصر الأعناق فوق الكواهل، شفيت من الداء العراق فلم تدع به ريبة بعد اصطفاق الزلازل، كو الداء بالمكواة حتى جلا بها عن القلب عيني كل جن وخابل.
[4:24]وربما لم تسمع رثاءه له ليبكي على الحجاج من كان باكيا على الدين أو شار على الثغر واقف وما ذرفت عينان بعد محمد على مثله إلا نفوس الخلائف.
[4:40]ومات الذي يرعى على الناس دينهم ويضرب بالهندي رأس المخالف، لكن الناس يذكرون هجوه له بعد مماته حين قال:
[4:50]لئن نفر الحجاج آل معتب لقوا دولة كان العدو يدالها، لقد أصبح الأحياء منهم أذلة وفي النار موتاهم كلوحا سبالها.
[5:04]وكانوا يرون الدائرات بغيرهم فصار عليهم بالعذاب انتقالها، وكان إذا قيل: اتق الله شمرت به عزة لا يستطاع جدالها.
[5:14]الكنني إلى من كان بالصين أورمت به الهند ألواح عليها جلالها، هلموا إلى الإسلام والعدل عندنا فقد زال عن أرض العراق خبالها.
[5:24]أقول: حفظ الناس قصيدة الفرزدق في علي بن الحسين تحديدا لأنها كانت معارضة للسلطان.
[5:33]كانوا يرون فيه ضعيفا يتحدى قويا ونسي أكثرهم مدائحه في بني أمية لأنها وإن كانت شعرا بليغا خلت من جمال الموقف.
[5:45]فما كان في ضعيف يمدح قويا ما يستحق التذكر والتخليد، وقد سئل الفرزدق أتهجو الحجاج بعدما مدحته؟ قال: إنما نكون معه ما كان الله معه.
[5:57]وهي سخرية خفية من عقيدة المرجئة وكان بعض خلفاء بني أمية يرونها، وملخصها أن الأمر إذا كان فقد أراده الله.
[6:06]ولذا لا يؤاخذ به العبد، فإذا انتصر ملك فإنما نصره الله فالحق مع الغالب، إن الشعر يعيش لا لبلاغته وحدها، بل بصدآه في صدور سامعيه فكأنهم يقولونه مع الشاعر.
[6:19]إن تحدي الفرزدق لهشام بن عبد الملك أحيا قصيدته الميمية في مدح زين العابدين أكثر من بقية ديوانه لأن في موقفه هذا شعرا مستقلا مفعولا مضافا إلى الشعر المقول.
[6:34]كان شعر فعل مضافا إلى شعر القول، فعاش إن الذاكرة الانتقائية للشعوب سلاح في يدها.
[6:44]يسعى الطاغية والغازي سعيا ليكتبا التاريخ ويكتبانه ثم ينسى الناس منه ما شاءوا ويذكرون ما شاءوا فيكتبونه هم على طريقتهم وليس لقوي عليهم سلطان.
[6:57]فتذكر ذلك واعلم أن رواية التاريخ جزء من صناعته، وأن ذاكرتك أقوى من الجيوش وأنك أنت يا صديقي مرجع هذا الأمر كله ومربط الفرس.



