[0:05]في العلم السؤال الصحيح اهم من الاجابه. السؤال هو البوصله التي نكتشف بها المجهول
[0:35]دقات قلب المرء قائله له ان الحياه دقائق وثواني بيت شعر يختزل بجمال فلسفه الزمن واهميته واللي يزيد جماله دقته المدهشه. معدل دقات القلب من 60 الى 100 دقه في الدقيقه دقه كل ثانيه تقريبا. لكن انتظر ثانيه شنو هي الثانيه؟ يمكن تشوف السؤال بسيط لكن اجابته حيرت العلماء والفلاسفه قرون طويله. في عصرنا الحديث اجتمع الباحثين من جميع انحاء العالم مرارا وتكرارا علشان يجاوبون على هذا السؤال المحوري. يمكن تظن ان الثانيه هي مجرد حركه لعقرب الساعه او اهتزازه بندول او يمكن تظن انها المده اللازمه اللي تحتاجها علشان تقول كلمه ثانيه. لكن ما مدى دقه هذه القياسات وعلى اي اساس تم تقدير هذه المده الزمنيه القصيره اللي تحكم ايقاع عالمنا كله. الثانيه هي الوحده الاساسيه في النظام الدولي للوحدات وحجر الزاويه اللي نعتمد عليه في كل شيء تقريبا من اطلاق الصواريخ الى تصفح الانترنت. لذلك كان لابد من تعريفها تعريف علمي دقيق ما يقبل الشك. على مر معظم تاريخ البشريه اعتمدت الحضارات القديمه على حركه الاجرام السماويه لضبط ايقاع حياتها. المصريين القدماء على سبيل المثال قسموا اليوم الى 24 فتره 12 ساعه للنهار و12 ساعه بالليل. اعتمدوا على رصد مجموعات نجميه محدده في السماء اسمها الديكات. عباره عن 36 مجموعه نجميه تمثل تقويم سماوي دقيق. وباستخدام نظام العد الستيني اللي ابتكره السومريين في بلاد الرافدين قبلهم تم تقسيم الساعه الى 60 دقيقه والدقيقه الى 60 ثانيه. لكن الثانيه في ذاك الوقت ما كانت وحده قياس عمليه كانت مفهوم رياضي مجرد قياسات الايام والساعات. كانت كافيه لتنظيم حياه المجتمعات الزراعيه والرعويه. لكن عجله التقدم لم تتوقف. مع انطلاق الثوره الصناعيه وترابط المدن والبلدان بشبكات السكك الحديديه السريعه ظهرت حاجه ماسه لتوحيد وضبط الوقت بدقه. ما عاد من المقبول انه يكون لكل مدينه توقيتها الخاص اللي يعتمد على شمسها. خلال الخمسينيات ومع تطور شبكات الاتصالات والنقل العالميه اصبحت الثانيه الدقيقه مطلب حيوي. وفي عام 1960 اتخذ المجتمع العلمي خطوه تاريخيه تم تعريف الثانيه فلكيا على انها الكسر واحد على 31 مليون و556 الف و926 من السنه المداريه لعام 1900. وتم اعتماد هذا التعريف رسميا كجزء من النظام الدولي للوحدات. لكن حتى هذا التعريف الفلكي ما كان كافي السنوات ما هي متساويه تماما في طولها. بسبب التغيرات الطفيفه في دوران الارض بل ان دوران الارض نفسه يتباطا تدريجيا بفعل جاذبيه القمر. وهذا يخلي ايامنا اطول بحوالي 1.8 الى 2.3 مللي ثانيه كل قرن. هذا التباطؤ اجبر العلماء في السابق على اضافه ما يسمى بالثانيه الكبيسه الى التقويم العالمي. 27 مره من عام 1972 لمزامنه ساعاتنا الذريه الدقيقه مع دوران الارض غير المنتظم. والمفارقه ان هذا التباطؤ طويل الامد انعكس في السنوات الاخيره. العلماء رصدوا تسارع في دوران الارض من عام 2020. وهذا ممكن يستدعي طرح ثانيه كبيسه سالبه في المستقبل. اجراء اذا تم راح يكون الاول من نوعه. كان العلماء يبحثون عن معيار اكثر ثبات معيار كوني ما يتغير. وهنا دخلت فيزياء الكم على الخط. خلال الخمسينيات ايضا بدا الباحثين بتطوير ساعات ذريه ما تعتمد على دوران الكوكب. وانما على الاهتزازات المنضبطه للذرات نفسها. الذره تتكون من الكترونات تدور حول نواه في مستويات طاقه محدده بدقه. لما نسلط عليها موجات كهرومغناطيسيه بتردد معين مثل تردد الميكروويف نقدر نثير الالكترون علشان ينتقل من مستوى طاقه لاخر ويسبب اهتزاز او تذبذب منتظم. هذا التذبذب يشبه دقات البندول لكن ادق بمليارات المرات وما يفقد طاقته بسهوله. ولضمان اعلى دقه يتم تبريد الذرات الى درجات حراره تقترب من الصفر المطلق لابطاء حركتها. وهذا يعطي وقت اطول لقياس تذبذباتها. في عام 1967 وبعد نقاشات مستفيضه وقع الاختيار على ذره عنصر السيزيوم 133. علشان تكون المعيار العالمي للوقت. ذرات العنصر الواحد تكون متطابقه تماما وتذبذباتها ثابته في اي مكان في الكون. كل اللي بقى اننا نعد هذه التذبذبات. العلماء قارنوا ادق قياس فلكي للثانيه في ذاك الوقت مع معدل تذبذب ذره السيزيوم. وتوصلوا الى الرقم السحري الثانيه الواحده تعادل بالضبط 9 مليار و192 مليون و631 الف و770 اهتزازه لذره السيزيوم 133. ساعات السيزيوم الذريه تتميز بدقه متناهيه تزيد او تنقص ثانيه واحده فقط كل 100 مليون سنه. لكن طموح العلم ما له حدود العلماء حاليا قاعدين يطورون جيل جديد من الساعات الذريه هي الساعات الضوئيه. هذه الساعات تستخدم ذرات اخرى مثل التريبيوم وسترونشوم اللي تعمل بترددات في نطاق الضوء المرئي. وهي ترددات اعلى ب 100 الف مره من ترددات موجات الميكروويف اللي تسبب اهتزاز ذرات السيزيوم. يعني دقتها راح تكون اعلى ب 100 الف مره او اكثر. هذا يعني احتمال اعاده تعريف الثانيه من جديد في المستقبل القريب. وهذا راح يفتح افاق جديده في الفيزياء الاساسيه وعلم الكونيات وحتى في التنبؤ بالزلازل. من خلال رصد التشوهات الدقيقه في قشره الارض. دقه الساعات الضوئيه راح تسمح بقياس تاثير شده الجاذبيه على الزمن. عبر ارتفاع ما يتجاوز مليمتر واحد. لان بحسب النظريه النسبيه معدل مرور الزمن يتاثر بسرعه الحركه والبعد عن مركز الجاذبيه. على سبيل المثال رائد الفضاء الاماراتي سلطان النياضي قضى 186 يوم في محطه الفضاء الدوليه في اطول مهمه فضائيه عربيه في التاريخ. هو فعليا سافر عبر الزمن بالنسبه لسكان الارض بسبب بعده عن مركز جاذبيه الارض وسرعته العاليه في المدار. رجع الى الارض اصغر من عمره الحقيقي بحوالي 4.6 مللي ثانيه. يمكن تشوف رقم ضئيل جدا لكنه دليل حي على صحه اهم نظريه توصل لها البشر النظريه النسبيه. الان يمكن تظن ان هذه الدقه المفرطه في قياس الزمن مجرد هوس او ترف علمي ما له داعي. لكن الحقيقه ان حياتك اليوميه اللي تعرفها مستحيله بدون هذه الدقه. خليني اعطيك مثال واحد يبين لك اهميه هذه الدقه. انظمه تحديد الموقع العالميه الجي بي اس في تليفونك تعتمد على الفروقات الزمنيه الدقيقه في الاشارات اللي توصل من اربع اقمار صناعيه. وكل قمر منها مزود بساعه ذريه. اي خطا بمقدار مايكرو ثانيه واحده جزء من المليون من الثانيه ممكن يسبب خطا في تحديد موقعك بمقدار 300 متر. شبكات الانترنت والاتصالات والاسواق الماليه كلها تجري ملايين المعاملات في الثانيه. كذلك شبكات الطاقه الكهربائيه تحتاج لمزامنه دقيقه بين المحطات وتعتمد على التزامن الدقيق اللي توفره الساعات الذريه. في اسواق الاسهم العالميه الفارق بجزء من الالف من الثانيه يعني الفرق بين الربح والخساره في صفقات بملايين الدولارات. ولنفس السبب لما تقارن ساعه في تليفونك الحين مع تليفون اللي قاعد يمك راح تلقاهم متطابقين تماما. كلنا اليوم نعيش على ايقاع نبضات ذره السيزيوم هذا العنصر الفضي اللامع اللي صار حارس الزمن في عصرنا الحديث. واللي يضمن ان كل ثانيه نعيشها محسوبه بدقه.



