Thumbnail for السيرة الهلالية: أسطورة أكبر من التاريخ │ في الحضارة by AlarabyTube - العربي تيوب

السيرة الهلالية: أسطورة أكبر من التاريخ │ في الحضارة

AlarabyTube - العربي تيوب

45m 36s6,420 words~33 min read
Auto-Generated

[0:00]فارس عربي أسمر وبشنب راكب حصان بيظهر في قرية فقيرة. شايل سيف في جنبه ونبوت على ظهره، كل اللي حيلته في شوية شجاعة في قلبه وغيرة على أهله. بس لا بيطير ولا يقدر يشيل عربية، بالعكس ده ممكن يتضرب عادي ويخسر في أي وقت. يمكن شكله عادي بس هي دي نقطة قوته إنه ابن بيئته شبهها بالظبط. ما جابوش فريق رسامين علشان يرسموا له بدلة ولوجو أو يخترعوا له قوة خاصة. لا ده ابن خيال شعبي طالع من الناس ورايح للناس. شارب ثقافتهم وقيمهم متلحن بألحانهم وكلامهم البسيط. عشان كده سهل تخترع ألف بطل كوميكس، بس صعب تخترع هوية حقيقية وسيرة أصيلة.

[0:46]الناس اللي موجودة هنا مش فاكرة أي حاجة

[1:09]جاي من البلاد البعيدة لا زاد ولا مية. وغربتي صاحبتي بتحوم حوالي. وأنت تقولي لي بحبك، تحبي إيه فيّ؟ وده حب إيه ده اللي من غير أي حرية؟ أكيد فكرت صديق الإنسان في مرة وأنت بتسمع منير هم مين عزيزة ويونس دول اللي بيغنيلهم. أو سألت نفسك في جملة وحب إيه ده اللي من غير أي حرية هي إيه بقى مشكلة الحرية دي اللي بيتكلم عنها يونس؟ هل مثلاً عزيزة بنت السلطان طلبت الارتباط بشكل رسمي ويونس كان عنده كوميتمنت ايشوز؟ ولا هو كان داخل يتسنكح وعزيزة قالتله إحنا مش هناخد خطوة لقدام ولا إيه؟ الأغنية ما قدمتش أي تفاصيل حوالين الموضوع. لأن الأغنية مش بتقول حاجة، هي لقطة وسط حكاية، الحكاية الطويلة اللي هتفسر لنا إيه البلاد البعيدة اللي هو جاي منها دي؟ وجاي ليه، وإيه اللي حصل قبل ما يجي وإيه اللي حصل بعدها؟ قصة عزيزة ويونس دي واحدة من قصص فرعية كتير جوه السيرة الهلالية. السيرة الشعبية اللي لسه ممكن تسمعها في الموالد والاحتفالات في كل الدول العربية تقريباً بل وفي بعض الدول الإفريقية كمان. وحتى لو عمرك ما سمعتها قبل كده، هتلاقي نفسك بتستخدم زي ما هنشوف أمثلة كتيرة جاية منها. وده بيثير سؤال ليه السيرة الهلالية تقريباً هي السيرة الشعبية الوحيدة اللي لسه عايشة لغاية دلوقتي؟ السيرة الشعبية زي ما هو واضح من اسمها يعني المفروض إنها بتحكي عن سيرة بطل ما. بطل خيالي زي الأميرة ذات الهمة أو حمزة البهلوان أو بطل حقيقي زي الظاهر بيبرس أو الزير سالم. أو في حالة السيرة الهلالية بتحكي لنا سيرة قبيلة بني هلال. السيرة الشعبية حتى في حالة الأبطال الحقيقيين مش بتحكي لنا التاريخ زي ما حصل. بل بتحكي حسب خيال مبدعين السيرة وحسب طموحاتهم وأحلامهم. لكن أهم حاجة في السيرة الشعبية إنها بالأساس سير بتتحكي ما بتتقريش. الناس بتقعد تسمعها من الراوي أو من الشاعر زي ما بيتسمى. والراوي ده بيكون معاه فرقة ربابة وقاعد وسط الناس على القهوة بيحكي. والراوي مش بيحكي السيرة كلها، لأن السيرة كلها ممكن تاخد أيام في حكايتها. ودايماً بيختار الحتة اللي عايز يحكيها من السيرة واللي حاسس إنها هتلمس مع الجمهور اللي قدامه. الجمهور نفسه ممكن يتدخل ويقول للراوي بلاش الحروب النهارده، إحكي لنا قصة حب عزيزة ويونس مثلاً. اللي هي لوحدها ممكن تاخد لها كام ساعة. والراوي حسب مهارته وموهبته ممكن ينقص حتة من هنا أو يزود حتة هناك. عشان كده في السيرة الهلالية مثلاً مش بنلاقي نص واحد نهائي هو السيرة. لا، كل تفصيلة في القصة مش هتلاقيها هي هيها من راوي للثاني. بل ولا حتى هتلاقي بطل واحد متفق عليه زي ما هنشوف. السيرة الهلالية متقسمة أربع حلقات: للميلاد، والريادة، والتغريبة، وديوان الأيتام. بتبدأ حلقة الميلاد أول أجزاء السيرة برزق ابن نايل أسد الهلالية وفارسهم اللي بدأ يكبر في السن. وما عندوش ابن يشيل اسمه أو يورث مكانه في القبيلة. فقال رزق مثلاً: بلغت الكبرى يا دهري وحنيت، وظهر الشيب في الوجه فالج، بكينا على البلاوي وحنيت، في البيت ما فيش طفل فالج. مأساة رزق شغلت بال بني هلال كلهم، الغني منهم والفقير. رزق بيحاول يلغي نفسه ويروح يصطاد غزلان. في يوم من الأيام وهو لوحده في الصحرا بيصطاد، سمع صوت من السما بيقول له: يا رزق لو عايز الإنجاب إتجوّز من أرض الحجاز. رزق شك في إن ده وهم أو إنه اتجنن وراح حكى اللي حصل لابن عمه سرحان سلطان بني هلال. سرحان نصحه يحج بيت الله يمكن ربنا يوفقه ويلاقي بنت الحلال. في خط ثاني موازي لخط رزق ده بتحكي لنا السيرة عن خضرا بنت شريف مكة اللي طلعت برضه تحج في نفس التوقيت وكانت جميلة ومتعلمة. بتحفظ القرآن وتاريخ العرب وبترفض دايماً كل اللي يتقدموا لها. خضرا لاحظت رزق وسهره على القوافل وعجبتها أخلاقه وفروسيته. ورضيت إنها تتجوزه رغم إن فرق السن بينهم كان 45 سنة. بتتحقق النبوة فعلاً اللي رزق سمعها في الصحرا وخضرا تخلف له بنت اسمها شيحة. رزق صبّر نفسه وقال: الأنثى وراها الولادي. بس خضرا ما جابتش عيال ثاني لمدة 11 سنة. ورزق بدأ ييأس ويتخانق معاها. أنا سبب بكايا ماهو أنت جايبك أميرة وقرة عيوني، شاورت قلبي لطلاقك ماهو أنت خليت العرب عيروني. أنا جايبك تعمري البيت حرة وظريفة معاني، من يوم ما وضعتي بالبيت ليه ما جبتيش عيال ثاني؟ وبعد ما يخلص الكلمتين السم اللي عنده دول يروح يصطاد. وخضرا تقعد تعيط على حالها، وفي مرة سمعت شمّة مرات السلطان سرحان بكاء خضرا. شمّة إقترحت على خضرا هم كمان يخرجوا. يعني اشمعنى رزق خارج لوحده؟ وفعلاً خرجت خضرا مع مرات السلطان وراحوا مع 80 ست من ستات بني هلال لبركة الطير. ودي بركة للنبات حواليها طيور من كل نوع، والستات كانت بتروح تتوحم هناك على الطيور دي. كل ست اتمنت طفل بصفات طير معين، اللي اتمنت طير أخضر واللي اتمنت صقر أحمر. لكن خضرا عجبها الغراب الأسود اللي غلب كل الطيور. فاتمنت ولد زيه وقالت: يا ربي أنا عقلي هيطير، بحق طه حبيبي ترزقني غلام زي ده الطير، برضه أسمر اللون زبيبي. وبعد 9 شهور الـ 80 ست اللي كانوا عند بحيرة الطير ولدوا 80 طفل في ليلة واحدة. شمّة مرات السلطان جابت حسن اللي هيبقى بعد كده السلطان حسن. لكن خضرا كان عندها مشكلة صغيرة، خضرا جابت ولد لونه زي الطير اللي شافته. رزق فرح جداً قبل ما يشوف الولد ودبح الذبايح. الهلالية بيحتاروا في اسم الولد، شوية يقترحوا على رزق ويقولوا له سميه بركات. وشوية سلامة وشوية أبو زيد. وفي يوم السبوع رزق بعت خادم عنده علشان يجيب الطفل من خضرا عشان يشوفه، بس خضرا ما كانتش راضية تسيب الطفل. الخادم اللي رزق بعته شد منها الطفل بالعافية، ولما كشف وشه الناس شافت لونه الأسود وبدأت المأساة. إتهموا خضرا بالزنا مع عبد أسود. رزق نفسه بيتهز من جواه وبكل طيش وغباء بيطرد خضرا وطفلها اللي عنده اسبوع بس. خضرا ومعاها الخادمة بتاعتها بيضطروا إنهم يسيبوا أرض الهلالية. وبتفكر خضرا هل ترجع لأهلها في مكة ولا تعمل إيه؟ في الآخر بتخاف خضرا إنها ترجع لأهلها أحسن يشكوا فيها ويعاملوها زي ما رزق عاملها بالظبط. وبتمشي لحد ما توصل لأبواب مدينة العلامات واللي هي موطن قبيلة الزحلان واللي بيحكمهم الملك فاضل. فاضل شاف رؤيا عن جوز الستات دول فخرج يستقبلهم من غير ما يعرف قصتها. شعبه بيرحب بخضرا وهناك في أرض الزحلان بتعلم خضرا ابنها وبتدربه على الفروسية. وبتطلب من الملك إنه يدخل ابنها مدرسة الأمراء. سلامة دخل المدرسة وهو فاكر إن فاضل أبوه لأن خضرا ما حكتلوش عن اللي حصل في بني هلال. ويكبر سلامة ويبقى فارس ومحارب عظيم لحد ما في لحظة بيلاقي نفسه في حرب مع بني هلال. من غير ما يعرف حتى إنهم أهله. وبالفعل بيعمل معاهم الصح ويعلّي عليهم. فبيلجأ الهلالية لرزق فارسهم العجوز واللي بسبب إحساسه بالذنب بعد طرده لخضرا وابنها كان راح عاش في الجبل زي المتشردين. ولأن الفارس ما يملوكش غير إنه يلبي نداء أهله بينزل رزق من الجبل لمكان أهله وبيلاقي المكان ضلمة في ضلمة. دخل رزق بالليل لقى النجع في الضلام يا حسن يا سرحان فينك قالوا العبد حاكم علينا لا تولعوا نار ولا نحزم خضار ولا نطلعوا يمين ولا شمال رزق أقسم بيمين والقسم منه بتلاتة قال اللي كان يولع فانوسين هذه الليلة يولع تلاتة يعني رزق لما لقى الضلمة سأل ليه ما فيش حد مولع نور. ردوا عليه إن العبد اللي أوقات بيتقال عليه سلامة وأوقات أبو زيد وأوقات تانية بركات، فرض عليهم إنهم ما ينوروش نور ولا يعملوا أكل ولا يحزموا حد. منيمهم من المغرب حرفياً. فقرر رزق في تحدي إن اللي كان متعود إنه ينور فانوسين في العادي هينور النهارده تلاتة، وباعت آخرك يا أبو زيد. بيقرر رزق إنه يحارب الفارس اللي هزم أهله وجاب لهم العار خاصة إنه عبد أسود. ما فيش بوليتيكال كوريكتنس طبعاً صديق الإنسان بروبع جنيه. بتبالغ السيرة في وصف مشهد صراع الأب مع ابنه واللي كل واحد فيهم ما يعرفش الثاني. لا الأب بيهزم الابن ولا الابن بيهزم أبوه. في وسط المعركة أبو زيد بيأسر أخته شيحة لما حاولت تساعد أبوها وبياخدها تسكن معاه في قصره. وهناك بتعرف شيحة إن سلام أخوها وهي اللي بتقول الحقيقة دي لأبوها. بيكتشف رزق إن الفارس الأسود ده هو ابنه، وملك زحلان اللي هو فاضل بيعرف أخيراً قصة أبو زيد ورزق بعد 14 سنة. وبتتقلب المعركة لاحتفال كبير، إحتفال لم الشمل. وفي الاحتفال ده بيقرر أبو زيد إنه يتجاهل أبوه وهو بيوزع اللحمة ويقول له: نسيتني في القماط نسيتك في السماط. يعني رزق نسي أو اتبرأ من ابنه وهو لسه مولود، فسلامة نسيه وهو بيوزع الأكل عشان يرد له الإهانة يعني. بيطلب رزق من مراته وابنه يرجعوا له، لكن مش بالسهل هي. أبو زيد اتنزل عن حقه، لكن اتمسك بحقه أمه، وقال إنه مش هيتنازل عن حقها غير لما يفرشوا له هو وأمه الأرض حرير من مدينة العلامات لحد أرض الهلالية كاعتذار يعني. الهلالية حيرانين جداً إزاي يلبوا الطلب ده؟ يعني حضرتك إحنا هنجيب الحرير ده كله منين؟ هنا بنلاقي الحل بيجي من عند واحدة من أهم شخصيات السيرة وهي الجازية أخت السلطان حسن. واللي هنتكلم عليها أكتر بعدين. المهم الجازية بذكائها المعتاد بتقترح التالي: نجيب توب حرير نفرشه قدام الجمل لحد ما يخلصوا فنلمّه ونفرشه قدام الجمل من تاني. وهكذا بترجع خضرا وابنها فعلاً وبيكون ده أول إعلان ببرائتها. وده يفسر لك ليه لحد دلوقتي لما حد بيقول إنه مظلوم بيتقال له هتعمل لي فيها الخضرا الشريفة؟ أبو زيد لما بيرجع لأهله بيستلم قيادة بني هلال من أبوه والقبائل كلها بتحترمه وبتحبه. لإنه كان بينصر أي حد ضعيف وبيساعد أي محتاج، لكن طبعاً دي مش نهاية القصة، ده نهايتها. الدنيا ما بتفضلش وردي في أرض الهلال، بيضرب الجفاف أراضيهم و بيعيشوا خايفين من الجوع والموت. وهنا بتبدأ الحلقة الثانية في السيرة وهي حلقة الريادة وهنفهم الاسم ده كمان شوية جاي منين. قصاد خطر الجفاف والمجاعة بيتحط الهلاليل وسلطانهم حسن قدام امتحان صعب. وبتستقر الآراء إن القبائل لازم تهاجر للغرب. تاريخياً قبيلة بني هلال ما كانتش هجرتها زي ما السيرة بتقول عشان الجفاف بس. الحقيقة إن بداية هجرتها كانت جزء من هجرات كتير من القبائل العربية بعد الإسلام للدول اللي العرب فتحوها. والقبائل دي فضلت في حالة هجرة مستمرة لمدة طويلة قبل ما يلاقوا مستقر أخير ليهم. لما بنرجع للسيرة بنشوف الترتيب للهجرة الكبيرة أو رحلة الهروب من القحط و الجفاف. لكن رحلة بالصعوبة وبالخطورة دي لازم لها تخطيط ودراسة وأهم مراحل التخطيط هو معرفة التحديات اللي ممكن تكون موجودة في الطريق. وكمان دراسة كويسة للبلد اللي هيروحوا لها، خاصة إن الهلالية لما هيخرجوا هياخدوا معاهم أسرهم وأطفالهم. فكان لازم رحلة استطلاع مسبقة عشان كده اتسمت الحلقة دي من السيرة بالريادة. بمعنى إن في حد هيسبق الهلالي يستطلع الطريق قبل هجرتهم الجماعية. بس مين يا ترى اللي هيقوم بالمهمة دي؟ هنا الجازية أخت السلطان حسن بتقترح إن أبو زيد سلامة هو اللي يقوم بالمهمة المعقدة دي. خلينا نقف هنا صديق الإنسان قدام شخصية الجازية دي لأن شخصية الجازية دي في السيرة شخصية مهمة جداً. وكان ليها ثلث المشورة جوه مجلس حكم أخوها اللي هو السلطان حسن سلطان الهلالي. وبتعتبر واحدة من الأبطال الرئيسيين للسيرة. الحقيقة إن شخصية الجازية اتطورت واتغيرت من النسخة القديمة للسيرة الهلالية للنسخة الحية اللي بتأدى دلوقتي للجمهور. في الروايات القديمة للسيرة ما بنلاقيش الجازية دي ليها دور كبير عكس الروايات الجديدة وده من أسباب بقاء السيرة الهلالية حية لحد دلوقتي. إنها مع الوقت وسعت من جمهورها وبدأت تتوجه لشرايح جديدة من الجمهور زي الستات. السيرة الشعبية زي ما قولنا كانت بتتغنى على القهاوي وفي عادات الرجال، شاعر السيرة زمان ما كانش مهتم قوي بالجمهور النسائي. لكن مع مرور الوقت بقت السيرة بتتغنى في المناسبات اللي زي الأفراح والختان واحتفالات العودة من الحج. ولأن برضه مع الوقت بقى مسموح للستات و البنات يحضروا الاحتفالات دي فبقى مهم على مؤدي السيرة إنه يهتم بالجمهور الجديد ده. فحصل تطور كبير للشخصيات النسائية وعلى رأسهم الجازية عشان البنات والستات يلاقوا نفسهم فيها. وأوقات كتير بتكون الجازية دي هي الدافع الحقيقي لتطوير الأحداث و حل العقد. زي ما إقترحت من شوية مثلاً إن أبو زيد هو اللي يقوم بالمهمة الاستطلاعية. وده ما جاش على دماغ أبو زيد طبعاً، بيني و بينك ما حبش إقتراح الجازية. و حس إن الجازية من الآخر ما تعرفوش غير في المشاكل. لدرجة إن الشاعر الشعبي بيعلق على الموضوع ده و يقول على لسان أبو زيد سلامة: أنت في الوسع تدميني تقولي عبد وشراية مال، وفي الضيقة تندهيني وتقولي أبو زيد عمود هلال. لكن أبو زيد وافق على الاقتراح ده في الآخر و طلب رفقة تطلع معاه. و اختار يحيى و يونس و مرعي اللي هما أولاد شيحة و أخته من السلطان حسن. وفعلاً خرج أبو زيد مع أولاد أخته التلاتة علشان يستكشفوا الطريق لتونس، يعرفوا أخبارها و مسالكها و إزاي القبائل تقدر تدخلها. وهنفهم بعد شوية كمان ليه السيرة اختارت تونس بالذات. المهم يوم السفر شيحة بتبكي على أخوها و أولادها لإنها عارفة إن الرحلة صعبة و مليانة مخاطر. وزي أي أم خايفة على أولادها بتوصي أبو زيد إنه ما يقعدهمش كلهم مع بعض عشان ما حدش يحسدهم يعني. وما يولعش نور لإن النور في الصحرا بيجذب الأعداء. وبتبدأ الرحلة أخيراً اللي بيخرج فيها أبو زيد واللي معاه و بيروحوا من الرياض لليمن و من اليمن للعراق و من العراق لحلب. تقولي طب و إيه اللفة دي كلها؟ هم رايحين تونس أصلاً. هنا في سببين: السبب التاريخي إن القبائل دي نفسها لفت و راحت بلاد كتير. و السبب الثاني البديهي إن ده عمل أدبي مش كل حاجة فيه ماشية بالمنطق. طول الرحلة أبو زيد و أولاد أخته كانوا متذكرين لإن المهمة الاستطلاعية اللي طالعينها دي كانت خطيرة جداً. أي حد هيعرف إنهم أمراء من قبيلة عربية هيخاف منهم أحسن يكونوا ناويين يجوا يغزوا أرضه مثلاً. المدهش إن أغلب الوقت أبو زيد و اللي معاه كانوا متنكروا في هيئة شعراء ربابة. كإن شعراء السيرة بيفتخروا بمهنتهم بالطريقة دي إنهم يخلوا أبو زيد نفسه متنكر كإنه شاعر سيرة. لكن التنكر مش بس بيقف هنا، القدرة على التنكر دي واحدة من أهم الصفات الأساسية لأبو زيد. وخليني أديك مثال: قبل ما يدخل أبو زيد حلب في عراف حذر ملك حلب من الهلالي و قال له إنهم هيستولوا على بلاده. عشان كده أول ما بيوصل أبو زيد و أولاد أخته حلب بيتقبض على أولاد أخته و بيتسجنوا. لكن أبو زيد ما سكتش، لبس جلابية حرير خضرا و حط طاينصان على دماغه و عمل فيها درويش فارسي. و راح لملك حلب و قعد يدعي له و يكلمه بالفارسي و اللي كان طبعاً لغة من ضمن اللغات الكتير اللي بيتكلمها أبو زيد. المهم إن الملك إحترمه و طلب من أبو زيد المتنكر إنه يدعي له ربنا إنهم يقدروا يمسكوا أبو زيد علشان يقتلوه قدام الناس كلها. و بالك بيقول ده لأبو زيد نفسه. فأبو زيد المتنكر بيقول له: أه طبعاً بس كده أدعي لك، بس الدعوة دي لازم تبقى في الجامع بقى. أبو زيد اختار الجامع لإنه كان لازق في السجن اللي فيه ولاده. الملك بيقول له: ما له، روح إدعي في الجامع. و أمر الملك الحجاب إنهم يفتحوا أبواب المدينة لأبو زيد. لما أبو زيد دخل البلد راح على طول على السجن و قعد يدردش شوية مع حرس السجن. و قام طلع شمعة مخدرة يعني شمعة أول ما يولعها اللي يشمها يتخدر و ينام. و قبل ما يولع الشمعة دي فرك مناخيره بمادة مضادة للمخدر ده. و ولع بعدها الشمعة عشان كل الحراس يقعوا هم طولهم ما عدا هو. عالم سحري بقى صديق الإنسان ما تدققش. بعد كده طلع المغناطيس حطه على الأقفال اللي فقعت في ثانية. دخل جوه و فك قيود أولاد أخته وبكده نص المهمة خلصت وفاضل النص الثاني. إزاي هتخرج من المدينة بقى يا معلم؟ لما وصل لبوابة المدينة لقى الحراس قاعدين و سيوفهم في إيديهم. أبو زيد لسه متنكر كدرويش سلم على الحراس ردوا السلام و قعدوه جنبهم. بدأ يحكي معاهم و يضحكوا و كل شوية يمد إيده في جيبه يطلع قطع من السكر و ياكلها قدامهم. قالوا له: إيه اللي أنت بتاكله ده يا أخي؟ قال لهم ده ملبس حلبي. قالوا له: دوقنا معاك يا عم، فاداهم ملبس لكنه كان من النوع الثاني، ملبس مخدر. فوقعوا هم كمان و بيخرج هو و أولاد أخته من المدينة و بيقولوا أفافيك. موضوع تنكر أبو زيد ده و انتحاله شخصيات بيتكرر كتير طول السيرة. و بيمكن أبو زيد من حل مشاكل كتير مش ممكن تتحل بالسيف. السيرة الهلالية من نقاط تميزها إنها بتقدم صورة معقدة للبطولة. صورة اتطورت مع الوقت و يمكن اتطورت على لسان كل واحد بيحكي السيرة. و بقت مع الوقت برضه قريبة من الناس أكتر، البطولة فيها مش فروسية بس. بل كمان فيها الحيلة و التنكر و المكر زي ما شفنا. يعني في العادي السيرة الشعبية بتدي دور المكر ده لصديق البطل اللي بينتمي لعامة الناس و بيكون زيه زيهم. بيتغلب على المواقف الصعبة بالذكاء و الفهلوة، لكن السيرة الهلالية بتخلي أبو زيد نفسه هو اللي يعمل كده. كإنه بينتمي للناس أكتر ما بينتمي للإمارة، هنا هو بطل شبه الناس فهلاوي و ابن بلد. لدرجة إننا أوقات بنحس إننا قدام اثنين أبو زيد في السيرة. واحد بينتمي لعصر قديم نشوف فيه البطل و الفارس الشجاع، و واحد معاصر فهلاوي و أقرب للناس دلوقتي. قدرة أبو زيد و حيله اللي ما بتخلصش على الخروج من المشاكل دي تفسير للمثل الشعبي الشهير اللي بيقول: سكة أبو زيد كلها مسالك. لإنه دايماً عنده حيلة يخرج بيها من أي أزمة. و المثل ده مستمد من السيرة زيه زي أمثلة تانية كتير يمكن أشهرها مثلاً: كإنك يا أبو زيد ما غزيت. وده مثل هنرجع له بعدين. أخيراً و بعد رحلة طويلة و شاقة بيوصل أبو زيد و أولاد أخته يونس و يحيى و مرعي حدود تونس. و بيقعدوا يرتاحوا في بساتين تونس الخضرا و هناك بيشتكي مرعي الصغير من الجوع. و لإن فلوسهم خلصت قرروا عشان يشتروا أكل يبيعوا العقد اللي أمهم ادته لهم قبل ما يسافروا. ركز معايا صديق الإنسان بقى عشان هنا هتبدأ حكاية الكينج محمد منير بتاعة عزيزة ويونس.

[18:04]بيقرر يونس إنه ينزل السوق يبيع العقد بتاعه. واحد من البياعين بيقول له إن العقد ده ما ينفعش غير لعزيزة بنت الزناتي خليفة ملك تونس. أكيد سمعت الاسم ده قبل كده لإن أي واحد شايف نفسه بنقول عليه فاكر نفسه الزناتي خليفة يعني. المهم البياع بعت مراته بالعقد لقصر عزيزة بنت الزناتي واللي كان عندها جارية من بني هلال. الجارية لما بتسمع من مرات البياع أوصاف يونس بتعرفه كويس و بتحكي عنه لعزيزة. و عزيزة بس ما كده بتحب يونس، أيوه حبتوه بالسمعة. المهم بتبعت عزيزة حد يجيب يونس علشان ياخد فلوس العقد، و أول ما بيوصل بتحاول عزيزة إنها تتقرب منه. شوية، شويتين، تلاتة، بالظبط زي ما جه في دماغك صديق الإنسان. يونس بيرفض فتقوم عزيزة تسجنه في قصرها. عشان كده يونس بيتسائل في أغنية منير: ده حب إيه ده اللي من غير أي حرية؟ طبعاً واضح هنا التشابه ما بين المشهد اللي فات ده و ما بين قصة سيدنا يوسف. و الحقيقة إن الأدب الشعبي عامة بيقتبس دايماً تيمات معينة كده من القصص الدينية. عشان يضيف شوية نبل و مكانة على أبطال السير دي. الأزمة في بلاد تونس ما بتقفش عند العلاقة اللي بتعرضها عزيزة على يونس. بعض عبيد الزناتي أبو عزيزة بيقتلوا يحيى أخو يونس. فبينتقم منهم أبو زيد و يقتلهم كلهم. عشان يتقبض على أبو زيد سلامة واللي معاه و يتحكم عليهم بالإعدام. قصة عزيزة و يونس و سجن أبو زيد و اللي معاه نقطة محورية جداً في السيرة الهلالية. لإنها تعتبر أول مواجهة ما بين الهلالية مع الزناتي وجيشه. والمواجهة دي هي اللي هتخلق مبرر الحروب الطويلة ما بين الطرفين. لإن الهلالية كان لازم يجوا و يخرجوا الناس المحبوسين ظلم دول.

[20:01]طيب هل كانت دوافع الهلالية لغزو تونس فعلاً دوافع خالية من العدوان زي ما صورتها السيرة؟ الحقيقة إن دي كانت حيلة درامية من رواة السيرة. لإن التاريخ بيقول لنا سبب تاني خالص للحروب ما بين الطرفين. نفس السبب اللي بيشرح لنا ليه تونس بالتحديد هي وجهة قبائل الهلال في الهجرة. السبب إن ملك تونس المعز بن باديس اللي هو هو الزناتي خليفة في السيرة، قرر إن هو يتمرد و يخرج من تبعية الفاطميين في القاهرة و يبايع الخليفة العباسي في بغداد. في نفس الوقت كانت قبائل العرب والهلالية إستقروا خلاص في مصر و كانوا عاملين وجع دماغ للحكام اللي فيها بسبب طبيعتهم الشرسة. فوزير الخليفة الفاطمي قال لك بس لقيت حل لكل المشاكل. وأمر على الخليفة الفاطمي و قال له: إحنا نستخدمهم بس في حرب المعز بن باديس المتمرد ده. لو كسبوا يبقى ارتحنا من المعز، لو خسروا يبقى ارتحنا منهم. و بالفعل إتحرك القبائل و تبدأ تغريبة العرب الكبرى ناحية شمال إفريقيا. لكن قبل ما نكمل حكي في السيرة هنقف شوية عند قصة عزيزة و يونس دي لإنها كمان هي القصة اللي بتمثل الجانب الإنساني و العاطفي جوه السيرة. الجانب اللي بيورينا هشاشة الأبطال. حكاية عزيزة و يونس كانت كإنها نقطة انكسار في نغمة البطولة، لحظة تأمل بتخلي الجمهور يتنفس مع يونس. مش كبطل لا، كإنسان مظلوم في عالم ما بيرحموش. و عشان كده شعراء السيرة خصوصاً في مصر بيطولوا في وصف عذاب يونس. لإنها حكاية قريبة من الناس العادية اللي ممكن ما يكونوش أبطال بالسيف. لكنهم يقدروا يكونوا أبطال بقيمهم و اختياراتهم في الحياة. ودي كمان واحدة من عوامل بقاء السيرة إن جوه الأجواء البطولية الحماسية دي. السيرة بتهتم بحكايات الناس و أزماتهم الإنسانية زي الحب و الخيانة و السجن. السيرة بتخلينا نشوف أبطالها و هم حيرانين ما بين البطولة و العاطفة. ما بين طموحاتهم الفردية و مسؤولياتهم ناحية جماعتهم. بنشوف إزاي شاب صغير زي يونس شايل على ظهره مهمة كبيرة. مهمة استكشاف طريق الهجرة، مهمة بمثابة حياة أو موت لأهله كلهم. و في وسط المهمة دي بيقع في قصة حب و مش أي قصة حب. هي قصة حب مع بنت عدو، بتحكي لنا السيرة عن حيرته قدام الورطة اللي هو فيها. عشان كده بتفضل القصة من أكتر القصص المؤثرة في الثقافة الشعبية لحد دلوقتي. ما هو برضه يعني الكينج مش هيغني أي حاجة. طيب دلوقتي الناس اللي مسجونة اللي مستنية الإعدام دول مصيرهم إيه؟ عزيزة بتتوسط للمساجين و تطلب الإفراج عن أبو زيد عشان يروح يجيب من قبيلته هدية القتلة اللي قتلهم إنتقاماً ليحيى ابن أخته. بيوافق الزناتي على وساطة بنته و يطلق سراح أبو زيد و يفضل الأخوين مرعي و يونس في سجون تونس. بيخرج أبو زيد من السجن و هو طبعاً مش رايح يجيب الدية، بل رايح يجيب الهلالية كلهم علشان يحرروا أولادهم من السجن. وعشان ياخدوا طار يحيى اللي مات في أرض الزناتي. عند النقطة دي بتنتهي الحلقة الثانية من السيرة اللي هي حلقة الريادة و بتنتهي و البطل معنوياته في الأرض و ظهره للحيط. يعني بأي عين هيرجع أبو زيد لأخته بدون أولادها التلاتة و إزاي هيواجه أهله يعني إذا كان فشل في حماية التلاتة اللي خارجين معاه. فما بالك بقى بالقبائل اللي المفروض هيخرجوا بعد كده مهاجرين في حمايته.

[23:59]صباحاً سافر أبو زيد، يا سلام يا هادي المصايب و ليه باع في الشر هيزيد، و ربي حاضر وليس غايب، و عدى ياما جبال و بحور، و يا حمل أصبحت مايل، روح سلامة الغندور، روح نجوع الهلالي.

[24:16]بتبدأ الحلقة الثالثة من السيرة ببني هلال و هم متجمعين في ديوان السلطان حسن. و هناك بيقرروا إنهم يروحوا تونس ينقذوا أولادهم المساكين. بيتفقوا على الرحيل كلهم مع بعض و الغني يساعد الفقير عشان يبقوا متساويين. في المرحلة دي بتظهر شخصية مهمة جداً في السيرة الهلالية، شخصية تبان كأنها البطل المضاد أو الفيلن بتاع السيرة. و اللي كان إسمه دياب ابن غانم. لكن زي ما هنشوف دياب أحقد بكتير من كده. فاكر الـ 80 ست اللي راحوا عند بركة الطير و كل واحدة فيهم بتتوحم على طير شكل. واحدة منهم لو فاكر يعني كانت توحمت على صقر أحمر كإنه معمول من نار. هي دي بقى أم دياب ابن غانم. و الصقر الأحمر الزغابي ده هو دياب أو زياد زي ما بعض اللهجات بتنطق اسمه. عايز أقول لك إن في بعض المناطق في الصعيد و في تشاد و نيجيريا شايفين دياب ابن غانم ده هو بطل السيرة الحقيقي. وده بسبب دور كبير اللي هيعمله في فتح تونس و اللي هنجي له قدام. أستاذ الأدب الشعبي خالد أبو الليل بيشوف إن سبب بطولة دياب في بعض المناطق هو نتيجة وجود ناس من قبيلته. قبيلة الزغابة اللي كانت موجودة في المناطق دي بالإضافة طبعاً لفروسيته و مهارته القتالية. بتبدأ قبائل الحلف الهلالي تتحرك فعلاً من الحجاز في طريقهم لتونس. سايبين وراهم شوية ناس قليلة زي عالية مرات أبو زيد اللي فضلت في قبيلتها اللي ما كانتش من ضمن تحالف القبائل الهلالي. بتوصل القبائل الهلالية لحلب في الشام و وقتها بينبه أبو زيد عليهم إنهم ما يتحركوش كتير خوفاً من الكاهن. اللي هو برجس بن توما و اللي كان فارض سيطرته على المنطقة. و الكاهن ده راجل كده ما بين العراف و الساحر الشرير. في اللحظة دي بنشوف بطولة و شجاعة دياب ابن غانم اللي بيطنش نصيحة أبو زيد و يسيب خيله و جماله تربح في المكان براحتها. الكاهن بيغضب و تقوم معركة كبيرة بينه و بين دياب. لكن دياب بينتصر في المعركة و يسيطر على المنطقة دي و يحكمها و يرفض يكمل الرحلة مع الهلالية. و يقول لهم بالطريقة كده يعني كل واحد يكمل في طريقه و أنتم تستاهلوا حد أحسن مني. بيحاول أبو زيد إنه يرجعه عن القرار لكن بيصر دياب على موقفه لغاية ما أخو الكاهن يقدر بحيلة إنه يهزم دياب. اللي ما يلاقيش قدامه غير إنه يرجع ينضم لبني هلال و يكملوا رحلتهم لتونس. ده لازم يعني تعمل لي فيها بطل. المهم لما بيوصل العرب على حدود تونس بينزلوا وادي أرض عفيف. الوادي اللي كان بيحكمه جايل أخو الزناتي ملك تونس. جايل كان عامل زي سلك الكهربا العريان من شدة التحفز. و ده نتيجة إنه شاف منام النار فيه بتاكل أرضه. ساعتها اللي حواليه فسروا له المنام ده و حذروه من بني هلال و هجمتهم على أرض تونس اللي هتحصل في المستقبل. فقرر جايل إنه يتغدى بالهلالية الأول. و هجم عليهم فعلاً بالليل و أكل 70 راجل و أسر 30 بنت. وقتها أبو زيد بيرد الهجوم و يخش في مبارزة مباشرة مع جايل و زي ما بتحكي لنا السيرة. التقى البطلان كأنهما جبلان، و حان عليهما الحين و زعق فوق رأسيهما غراب البين. فاختلف بينهما ضربتان قاتلتان، و كان السابق في الضربة الأ أبو زيد. بيتفادى جايل ضربة أبو زيد و بتيجي في حصانه. بعدها أهل جايل بينقذوه من أبو زيد و يهربوا كلهم. فالهلالية بتلاحقهم لحد ما يدخلوا في الجبال و يرجع أبو زيد منتصر. حرر البنات و الهلالية بتهنوه.

[28:15]لكن الهجمة المفاجئة اللي حصلت من جايل خلت الجازية تقترح إن جيوش الهلالية ما تهاجمش تونس كلها مرة واحدة. و اللي يفضل ثلثين الهلالية يحرسوا المال و النساء و الثلث بس هو اللي يخش يحارب. و لإن الجازية تعرف دياب كويس و فاهمة البرجماتية بتاعته و تعطشه الشديد للسلطة، اقترحت إن دياب يفضل مع الجيش اللي بيحمي الفلوس والستات. كانت خايفة إنه يتفق مع الزناتي و ينقلب عليهم مقابل مكسب شخصي. الاقتراح عجب دياب طبعاً و فضل على الجبل و ساب الهلالية يحاربوا هم و قعد هو يحرس الفلوس. في المرحلة دي بيقف الزناتي و جيشه على حدود بلده و ملايين الهلالية يخشوها. و بياخد الزناتي دور أقرب للبطولة زي ما بيقول لنا عن نفسه في المقطع اللي غنته لنا الوديل. أنا الزناتي أنا جمل المحاميل، زعيم الغروب و الرجال يعرفوني و عمري عن الحدود أنا ما حاميل، و للمرجلة قدموني. يقف الزناتي خليفة ضد محاولات غزو الهلالية لأرضه 14 سنة كاملين موقفه عند الأسوار. لا حول لهم ولا قوة. لما المدة بتطول بيبعتوا الهلالية يطلبوا مساعدة دياب ابن غانم اللي سابوه في الجبل يحرس الفلوس والستات. المدة الحصار الطويلة دي مش بتحكيها السيرة بالتفصيل، لكن الفنان الشعبي كان حريص إنه يقولها بالأرقام و ما يقولش فضوا سنين مثلاً في العموم كده عشان يأكد على طول الصراع. الصراع الطويل بين القبيلة الهلالية و بين الدولة اللي بيمثلها الزناتي خليفة. بيقف الهلال بقيامهم البدوية و تصوراتهم عن فنون الحرب والإغارة مش قادرين يتخطوا أسوار تونس الحصينة. فلا فروسية أمراء الهلال شفت و لا مهارات أبو زيد الأسطورية نفعت، إيه بقى اللي بينفع؟ هنا الفنان الشعبي بذكاء شديد بيستدعي بطل مختلف عن بقية الهلالية هو اللي يحل المشكلة. بطل براجماتي رغبته في الحكم فوق كبريائه كفارس على عكس كل الحلف الهلالي. بالظبط هو دياب ابن غانم. هو الوحيد اللي يقدر يتغلب على الزناتي و يقتله بحربة مسمومة. سهل نفهم ليه نسخة التوانسة من السيرة الهلالية بتخلي الزناتي هو البطل. لكن الغريب إن حتى في النسخ اللي أبو زيد بطلها بيفضل في احترام شديد لشخصية الزناتي و دفاعه عن وطنه. و ده بيفسر لنا ليه الفنان الشعبي قرر إنه يحفل البطل أبو زيد من دم بطل زي الزناتي. و رمى المهمة دي على دياب فخلاه هو اللي يقتله و تتلوّث إيده بدم. و بحربة بيرميها عليه من بعيد حتى مش بالسيف زي الفرسان. بتقول السيرة: عند ما وقع الزناتي و حرب دياب جات في نن عينه، و عيله الأمير أبو زيد. قال له: حوش الحربة من عين السبع يا دياب ده خليفة سبع كاسر. التقدير اللي بياخده الزناتي بيشرحه لنا الباحث أحمد خليفة. لقد صنعت السيرة الهلالية المنحازة للعرب، وجهاً آخر للرواية الشعبية، يتسلل من بين كلمات شعرائها. وجهاً ينتصر رغماً عنها لبطل المغارب، هذا الذي أفنى حياته مدافعاً عن شعبه في مواجهة الغزاة. فعلى الرغم من المبررات الأخلاقية التي صاغها الراوي طوال السيرة لشرعنة غزو عرب بني هلال لبلاد المغرب وإفريقيا. فقد اضطرت لأسباب كثيرة تعظيم العدو المغاربي "الزناتي خليفة" ليبقى كما أنشد الراوي على لسانه، رمزاً للتضحية و أملاً للمقهورين. بطولة الزناتي كمان من مميزات السيرة اللي خلتها تعيش. إن شخصياتها مش أبيض وأسود، مش مرسومة بسذاجة كمجرد رموز للخير والشر. لا، كل شخصية هي شخصية معقدة، دياب نفعي لكن شجاع، انتهاتزي لكن في نفس الوقت يعتمد عليه. قوي أوقات و هش أوقات تانية. كمان الزناتي خليفة الخصم الأساسي ضد الهلالية ما هوش الشرير الفيلن، ده بطل و شجاع متسلط لكنه في نفس الوقت أب حنين و متسامح و دموي لكنه في نفس الوقت وطني. بعد انتصار الهلالية بيخرجوا طبعاً العيال من السجن و بيسيطروا على تونس كلها. طبعاً صديق الإنسان أنت مستنيني أقول لك و عاش الجميع في ثبات و نبات. الحقيقة إن لا، هنا بيبدأ صراع على السلطة ما بين الهلالية نفسهم. السلطان حسن بيقول: أنا السلطان يبقى أنا اللي أحكم تونس. دياب بيقول: كان السلطان نفع نفسه أو نفع الهلالية اللي قعدوا 14 سنة على الأسوار. و طبعاً أبو زيد لإنه بطل و فارس بيترفع عن السلطة لإن همه الأول من الأول كانت حياة أهله و إنقاذهم من الموت. بيسيب أبو زيد الصراع ده كله و يسافر الأندلس. و هنا بتبدأ الحلقة الأخيرة في السيرة الهلالية و يمكن الحلقة الأقل شهرة وهي ديوان الأيتام. و ديوان الأيتام ده كما هو واضح من اسمه عبارة عن مآسي متتالية. بتصور الحلقة دي من السيرة إنقسام الهلالية و الحروب الأهلية اللي بدأت تحصل بينهم و أولها حرب السلطان حسن بن سرحان ضد دياب ابن غانم. و استمرت المعارك بينهم لدرجة خربت تونس و اللي كانت زمان هي ملاذ العرب و مهربهم من المجاعة و الموت. كأن الموت هو قدر الهلالية، خرجوا في الأول هربانين منه لكنهم بيلاقوه تاني في آخر القصة. كأن شاعر السيرة بيقول إن الموت فضل زي الوشم على جسم الحكاية و الأبطال. أبو زيد حتى و هو في الأندلس كان بيحاول يصلح ما بين حسن و دياب و يبعت رسايل و رسل يهدوا الدنيا. بس الكراهية فضلت جوه قلوبهم و في مرة عزم حسن بن سرحان دياب على وليمة و لما جه أمر رجالته إنهم يربطوا دياب و يحبسوه عنده. فاكر كدبة أبو زيد لما قال لأخته إن التلاتة ماتوا و قولنا إنه هيدفع تمنها؟ جه وقت تمنها. بعد ما سافر أبو زيد للأندلس و هو هناك بيجيله جواب يقول له: إلحق مراتك عالية اللي أنت سايبها في نجد من أول الحلقة. الناس بدأت تطمع فيها، فبيتحرك أبو زيد عشان ينقذ مراته و معاه اثنين من أولاد أخته يونس اللي كان معاه في الرحلة الأولى. و بينضم لهم المرة دي أخو يونس الأصغر عزيز. و بيتخطوا الصحاري و الجبال عشان يوصلوا نجد و ينقذوا عالية. خلال رحلتهم و في اليوم الواحد و التسعين بيوصلوا أرض فاضية ما فيهاش مية. العطش و الحر خلاص هيقتلوهم لحد ما بيلاقوا بير و بينزلوا الجردل فالحبل بيتقطع. يونس قال لازم أنزل أجيب الجردل، لكن أبو زيد منعه لكنه أصر و نزل. عشان لما ينزل البير تعبان يلدغه و يقتله في ساعتها. كمل أبو زيد وعزيز رحلتهم لنجد و لما وصلوا لقوا الزينة مالية البلد و عرفوا إن مرات أبو زيد بتتجوز. وده على أساس إن أبو زيد أخباره اتقطعت فاعتبروه مات. بيقدروا ينقذوا عالية عن طريق حيلة غريبة، بيتنكر عزيز كإنه عالية و بتهرب عالية من البيت مع أبو زيد. الأمير اللي كان هيتجوز عالية لما بيدخل بعزيز البيت بيحاول يتجوزه هو. ولما بيعرف إن هو عزيز مش عالية بيفضل يعذبه لمدة أيام و قبل ما يمشيه من عنده بيسممه. و بكده بيموت عزيز و هو كان في الطريق و هو خارج من عنده. كأن الأحداث بتلعب بقسوة و بتكمل سخريتها من البطل و تستمر كدبته عن أولاد أخته في التحقق قدام عينيه يوم بعد الثاني. اللي طلع بيه أبو زيد من الرحلة دي إنه أنقذ مراته لكنه بيضطر يسيبها ثاني و يروح تونس. مش كفاية شحتطة بقى يا عم أبو زيد أنت، إيه اللي حصل طيب؟ اللي حصل إن دياب المحبوس عند السلطان حسن كتب لأبو زيد إنه مريض و هيموت و طلب من أبو زيد إنه يتشفع له عند السلطان. أبو زيد طبعاً راجل جدع ما بيتاخرش، بيسافر على تونس و يطلع فعلاً دياب من السجن. و يقول لحسن و دياب: ما كفاية بقى يا شباب مش هنعقل ولا إيه؟ لكن دياب ما بيعقلش، في ليلة و حسن نايم في أوضة نومه يدخل عليه دياب و يذبحه و يهرب يروح لقبيلته. بني هلال و أبو زيد حزنوا على السلطان ثلاث أيام و طلبوا من أبو زيد إنه ياخد طار حسن. و بالفعل جهزوا نفسهم و مشيوا ورا قبيلة دياب. و هم في الطريق بيفتكر أبو زيد المصايب اللي شافها من أول ما بدأ رحلته زمان. و افتكر كل اللي فقدهم و قال: كفاية دم بقى لحد كده. و بيكتب لدياب يترجاه يرجع و إنه مش هيعمل له حاجة لو رجع، و عشان يأكد له بيبعت له 10 من الأمراء. فاكر صديق الإنسان لما كلمتك عن تعقيد السيرة الهلالية في رسم شخصياتها؟ هنا كمان ممكن نتأمل شوية رسم السيرة الهلالية لأبو زيد الهلالي. السيرة ما خلتش أبو زيد نفسه بطل مسطح، لا هو ما كانش فارس بس. و أحياناً محب لدرجة تقطع القلب، يعني قصة حبه هو و عالية دي لوحدها تاخد لها كام حلقة. و في بعض الأحيان بيبقى ابن مخلص أو صديق مخلص و ساعات مكار و داهية. و ساعات رغم ذكائه إلا إنه وقت اليأس أو التذمر ممكن ياخد قرارات غلط. زي قرار العفو عن دياب مثلاً هنا، لإن دياب لما فعلاً بيرجع تونس بيتغاظ و هو شايف أبو زيد واخد مكانه على عرش تونس. فبيقرر دياب إنه يخلص من أبو زيد زي ما خلص من السلطان حسن. و في يوم خرج أبو زيد مع دياب في رحلة صيد، دياب مخبي تحت عبايته سيف صغير و مستني اللحظة المناسبة. و في الرحلة دي كل واحد فيهم كان معاه رجالته و حشيته و الدنيا كانت تمام. لحد ما الناس اتفرقت كل شوية منهم راحوا في ناحية و فضل أبو زيد ودياب لوحدهم. أبو زيد مش مدي أي خوانة، ده أنا لسه عافي عنك. لكن دياب بدأ يلعب لعبة غريبة، كل شوية يصرخ و يقول: خدها من إيد دياب. و لما أبو زيد يلف يلاقي في إيده سنبلة قمح. هزار، ضحك، ما فيش مشكلة. لحد المرة الرابعة دياب قال نفس الجملة لكن أبو زيد ما اهتمش، افتكرها هزار تاني. و فجأة بيضرب دياب أبو زيد على رأسه ضربة قاتلة. ضربة مليانة غل و قسوة لدرجة إنها طلعت مخه من جوه راسه. دياب مش بيقتل أبو زيد بس، الحقيقة هو بيقتل كل اللي بيمثله أبو زيد. قيم القبيلة و مفاهيمها عن الفروسية.

[40:06]بيقول أبو زيد و هو بيموت: يا ما شربنا الكاس و السعد داير، و حسادنا في قلبهم منا سماء. ما قال الحزين ابن رزق سلامة، لقد سلمت روحي لرب العوالم. قتل أبو زيد هو بداية ديوان الأيتام و زي ما باين من اسمه يعني هيقتل فيه كل الأبطال المحبوبين. السيرة بتقتل على إيد دياب كل الشخصيات و الأبطال اللي ارتبط بيهم المتلقي و عاش معاهم مغامراتهم. أحلامهم و انتصاراتهم و أحزانهم و انكساراتهم، عشان كده كتير من منشدي السيرة الهلالية بيتجنبوا إنهم يأدوا الحلقة دي من السيرة. ما هو مش معقول يعني الناس تبقى جاية تنبسط بعد يوم طويل من الشقة و يقوم المنشد منكّل عليهم الدنيا. المنشد برضه عايز يأكل عيش و يمكن ده برضه من أسباب بقاء السيرة حية. إنها كانت بحسب المختصين مصدر رزق واسع للمنشدين و الرواة المحترفين. الرواة اللي بيعرفوا إمتى يقولوا إيه و قادرين يوصلوا لكل الشرايح الكبير و الصغير، العواجيز و الشباب، الرجال و الستات. و يقدروا يحددوا إيه المناسب لاحتفال عائلي زي الجواز والعقيقة و إيه المناسب في احتفال ديني زي الموالد. و الأهم من كل ده فنانين في الحكي، عارفين يخلقوا عند مستمعيهم الحماس و التحفز للي لسه جاي من الحكاية. الجازية لما عرفت مقتل أبو زيد كشفت شعرها و لطمت و شقت هدومها. و هجمت على دياب فقتلها و حكم بلاد تونس كلها بالحديد و النار. لكن الحكاية ما بتنتهيش لسه، زيدان ابن أبو زيد الهلالي جمع قوم و المتحالفين معاهم في الشام و الحجاز. و اتقابلوا في الصعيد في مصر و راحوا تونس و حاصروا أميرها دياب ابن غانم. في الوقت ده الهلالية بتوع الأندلس جم هم كمان و سندوا إخواتهم. و طحم الجميع تونس و قتلوا دياب ابن غانم. المفاجأة إن بني هلال اتنزلوا عن المدينة لابن الزناتي خليفة. و زيدان ابن أبو زيد رجع تاني صعيد مصر و هلالية المغرب و الأندلس رجعوا بلادهم و بكده خلصت السيرة. كأنك يا أبو زيد ما غزيت، لا رحت ولا جيت. شفت صديق الإنسان لما بتصبر معايا كله بيبان و بيتفسر إزاي؟ لو فكرنا في النهاية الغريبة دي هنلاقي إن زيدان ابن أبو زيد وريس البطل. بيجي من بعيد و هو شايف الصورة كاملة، مش متورط في دواير الصراع الجهنمية اللي ما بتخلصش. و إنما عنده منطق مغاير و وسيلة لكسر أبدية الصراع ده. ابن أبو زيد اللي اتربى و عاش في صعيد مصر هو اللي إتقدم الحل. كأن السيرة بتقول لنا إن الاستقرار ده في مصر و احتكاكه بنمط حياة ثاني غير حياة التجوال و الإغارة، كل ده خلاه قادر يفكر بشكل مختلف و يوقف نزيف الدم اللي شغال. ودي مش المرة الأولى اللي تجيب السيرة الشعبية الحل على إيد أولاد أو أحفاد الأبطال. اللي بيقدروا إنهم يكسروا دايرة الصراع الأبدي اللي أهاليهم عاشوا فيه. يعني الجرو مثلاً في سيرة الزير سالم هو اللي أنهى حرب البسوس لما خد تاره من جساس قاتل أبوه و اكتفى بكده و وقف حرب إستمرت عشرات السنين كان مدورها عمه الزير سالم اللي هو بطل السيرة بالمناسبة و قتل فيها المئات و الآلاف. السيرة الهلالية اللي بيقدر بعض المتخصصين عدد أبياتها الشعرية بمليون بيت. تبان أكبر من التاريخ اللي بتحكي عليه، عاملة زي موسوعة مفتوحة كده لكل الشعراء و الرواة اللي ساهموا في كتابتها. و اللي صعب جداً إنك تحصره، هي بوابة لعالم واسع من الخيال و الحروب و الحب و السحر و التقلبات اللي ما بتنتهيش. زي ما بنشوف مثلاً في قصة عزيزة و يونس و اللي بعد ما دياب قتل الزناتي خليفة و راح الهلالية يطلعوا يونس و أخوه من السجن بيلاقوه واقف ماسك إيد حبيبته عزيزة و بيقدمها لهم. بيفرحوا بيها جداً لإن هي اللي فضلت مانعة قتلهم و هم في السجن. و بنلاقي في نسخة بيراميد تونسي تعليق على اللحظة دي لما بيقول: تستاهل الكي بالنار يا اللي تأمن خصومك. تتهان و يقعد لك العار و اللي يحبك يلومك، مسكين من عاش مغرور و يحسب الدهر غافل. الدهر دولاب بيدور خلى العالي أسافل، كانت عزيزة يا يونس وردة في قصر الإمارة. صبحت في أرض تونس فوق الحصى و الحجارة.

Need another transcript?

Paste any YouTube URL to get a clean transcript in seconds.

Get a Transcript